خرجت من المشرحه
خرجت من المشرحة وأنا حاضنة مخدة بنتي الصغيرة، عندها 3 سنين، على صدري وفي اللحظة دي بالذات، جوزي اتصل بيا من حفلة كان قاعد فيها وسط الضحك والزعيق وصوت الكوبايات.
قال بمنتهى البرود
الدوا هيوصل بكرة لو سمحتي استغلي الموضوع وامضي على ورق التبرع بقرنية بنتك. نادين محتاجاها ضروري.
فضلت ساكتة كام ثانية، مش عارفة هو بيتكلم بجد ولا أنا اللي عقلي وقف من الصدمة.
بصيت لباب المشرحة الحديد اللي قدامي في مستشفى كبير في القاهرة، وضميت مخدة سلمى أكتر لصَدري.
وبصوت مبحوح قلت
يا كريم سلمى ماتت الساعة 317 الفجر.
سكت.
ثانيتين بالظبط.
وبعدين سمعت صوت موسيقى عالي، وضحك ناس، وكوبايات بتخبط في بعض.
وبعدها صوته
يعني إيه ماتت؟! أنا كنت مدي تعليمات إن الدوا يتجاب!
بصيت في الورقة اللي كنت لسه موقعة عليها.
سلمى كريم الشاذلي.
3 سنين و شهور.
السبب المكتوب قدامي كان واضح
أزمة حادة بسبب عيب خلقي في القلب وارتفاع شديد في ضغط الشريان الرئوي، بعد توقف الدواء المستورد اللي كان مثبت حالتها.
ثلاث أيام كاملة وأنا بجري ورا الدوا.
اتصلت بالمخازن.
اتصلت بالإدارة.
كلمت شركة الأدوية.
كلمت المحاسبين.
واتصلت بكريم عشرات المرات.
في خلال 72 ساعة، كنت كلمت تقريبًا كل حد ممكن يكون ليه علاقة بالموضوع.
المستشفى كانت خلصت كل الإجراءات.
الدواء كان موجود عند الموزع.
والشركة كانت مستنية بس تحويل مبلغ 180 ألف جنيه عشان تبعت الشحنة.
لكن الفلوس ما اتحولتش.
والشركة أوقفت التسليم.
وكريم؟
ما ردش على ولا مكالمة واحدة.
ولا مرة.
آخر مرة سلمى فتحت عينيها كانت حرارتها معدية الأربعين.
كانت مرهقة بشكل يخوف.
مدت إيدها الصغيرة، مسكت صباعي، وبصتلي بعينيها اللي كانوا شبه عينين أبوها وقالت بصوت ضعيف
ماما بكرة مش هيوجعني، صح؟
بلعت غصتي، ومسحت على شعرها.
لأ يا حبيبتي بكرة هتبقي أحسن. الدوا جاي.
وعدتها.
والدوا ماجاش.
الساعة 317 الفجر، صوت جهاز رسم القلب اتغير.
بصيت للشاشة.
الخط اللي كان بيتحرك قدامي بقى مستقيم.
صرخت.
ناديت الدكاترة.
الممرضات دخلوا يجروا.
بس بعد محاولات طويلة
الدكتور نزل عينه وقال الجملة اللي كنت حاسة إن روحي هتطلع منها
البقاء لله.
كنت لسه واقفة جنب بنتي لما كريم كلمني.
قال
اهدي يا منى، وأنا هشوف حصل إيه.
وقتها حاجة جوايا اتكسرت.
مش قلبي.
لأ.
حاجة أعمق.
حاجة كانت طول الست سنين اللي فاتوا بتخليني أستنى.
أستنى كريم يشوف الموضوع.
كان دايمًا هيشوف.
هيشوف الحسابات.
هيشوف التأمين.
هيشوف علاج بنته.
هيشوف ليه مديرة حساباته، نادين فوزي، كل مرة بتعطل أي مصاريف تخصني أو تخص سلمى.
دايمًا هشوف.
هتصرف.
متقلقيش.
بس المرة دي
مافيش حاجة تتشاف.
سلمى ماتت.
ومبقاش فاضل حاجة أخاف عليها.
طول عمري كنت بخاف.
كنت بخاف أخسر جوازي.
بخاف كريم يطلقني ويحرمِني من حقوقي.
بخاف أطلب فلوس زيادة للعلاج فيزعل.
بخاف أعارضه.
بخاف أفضل لوحدي مع بنت مريضة وأنا مش عارفة أعمل إيه.
لكن دلوقتي؟
بنتي ماتت.
يعني إيه أكتر من كده ممكن يحصل؟
بصيت في الموبايل شوية، وبعدها قفلت المكالمة.
متشوفش حاجة يا كريم.
صوتي كان هادي بشكل غريب.
خلاص فات الأوان.
وقلتها وقفلت.
لأول مرة من يوم ما اتجوزت كريم الشاذلي
إيدي ما اترعشتش.
قعدت على سلم الطوارئ، وأنا لسه حاضنة مخدة سلمى الصغيرة.
وبعدين افتكرت حاجة.
مديت إيدي جوه شنطتي وطلعت موبايل قديم.
موبايل كنت سايباه مقفول بقاله خمس سنين.
كنت محتفظة بيه من غير ما أعرف ليه.
يمكن جزء مني كان مستني اليوم ده.
ضغطت على زر التشغيل.
الشاشة نورت.
بدأ يستقبل رسايل قديمة واحدة ورا التانية.
مئات الرسائل.
مكالمات فائتة.
إشعارات متراكمة من سنين.
مافتحتش ولا رسالة.
دخلت على الأسماء.
ودورت على اسم واحد بس.
بابا.
قبل خمس سنين، كنت واقفة قدامه في بيته وأنا منهارة من العصبية.
كنت وقتها لسه متجوزة كريم، ومقتنعة إني بحبه وإن بابا بيحاول يبوظ حياتي.
صرخت فيه
أنا اخترت جوزي! ومش محتاجة فلوسك ولا اسم عيلتك! وإياك تدخل في حياتي!
بابا وقتها مازعقش.
ماشتمنيش.
بس بصلي بنظرة عمري ما نسيتها وقال
الراجل ده مش بيحبك يا منى.
سكت شوية وبعدين قال
هو بيحب اللي اسم عيلتك يقدر يفتحله.
أنا وقتها اتعصبت أكتر.
سبت البيت.
خدت شنطتي.
ومشيت.
ومن يومها
ما رجعتش.
لحد النهارده.
ضغطت على اسم بابا.
اتصلت.
الموبايل رن مرة واحدة.
وبعدين اترد.
منى؟
مجرد ما سمعت صوته، حسيت إني رجعت بنت صغيرة.
حاولت أتكلم.
ماعرفتش.
بصيت للمخدة اللي في حضني.
وقلت بصوت متقطع
بابا تعالى خدني.
سكت ثواني.
وبعدين سألني بصوت هادي
وإنتِ فين؟
قلتله اسم المستشفى.
فضل ساكت.
وبعدين سأل السؤال اللي كنت مرعوبة منه
وسلمى؟
قفلت عيني.
ودموعي نزلت من غير صوت.
سلمى خلاص يا بابا.
ماقالش أنا قلتلك.
ماقالش إنتِ اللي اخترتي.
مافتحش القديم.
بس قال
محتاجة إيه؟
مسحت دموعي.
وبصيت قدامي.
عايزة أخرج من هنا.
رد من غير تردد
أنا جاي لك.
وقبل ما يقفل، سألني
منى قوليلي حاجة واحدة بس.
صوته اتغير.
بقى أهدى
لكن أخطر.
كريم عمل إيه؟
سكت.
وبعدين بدأت أحكيله.
حكيتله عن الدوا.
وعن مبلغ ال ألف جنيه.
وعن إن الشركة كانت مستنية التحويل.
وعن المكالمات اللي كريم ما ردش عليها.
وعن نادين اللي كانت ماسكة كل المصاريف.
وحكيتله عن المكالمة اللي جتني وأنا خارجة من المشرحة.
وحكيتله عن طلب كريم الغريب إني أمضي على التبرع بقرنية سلمى عشان بنت اسمها نادين محتاجاها.
بابا ماقاطعنيش مرة واحدة.
فضل ساكت لحد ما خلصت.
وبعدين سألني
عايزاني أعمل إيه؟
بصيت لباب المشرحة.
وبعدين بصيت للمخدة اللي في حضني.
لأول مرة من خمس سنين، حسيت إني مش لوحدي.
قلت
اقفل عليه كل باب فتحه باسم عيلتنا.
سكت بابا ثانيتين.
وبعدين قال بمنتهى الهدوء
اعتبريه حصل.
وقفل الخط.
فضلت باصة للموبايل في إيدي.
كنت لسه بحاول أفهم اللي حصل
لحد ما جالي إشعار من رقم قديم أنا أعرفه كويس.
رقم محامي بابا الخاص.
فتحت الرسالة.
كانت جملة واحدة بس
مدام منى والد حضرتك أصدر تعليماته دلوقتي بتفعيل ملف الشاذلي.
فضلت باصة للشاشة.
ملف الشاذلي؟
أنا عمري ما سمعت عن الملف ده.
ولا مرة.
ولا كنت أعرف إن