في جنازة توامي

لمحة نيوز

في جنازة توأمي، حماتي بصّت على التابوتين وهمست بكلمة كانت كفيلة إنها تقتلني من جوايا
ربنا أخدهم لأنه كان عارف هما عايشين مع أم عاملة إزاي.
ثواني وأنا حرفيًا مش مستوعبة هي قالت إيه.
كنت واقفة قدام تابوتين صغيرين، أبيضين، جواهم ولادي الاتنين اللي كان عمرهم 11 شهر بس.
بصّيت لها وقلت بصوت مبحوح
إنتِ قلتي إيه؟
حماتي، نوال، عدّلت الدبوس الدهبي اللي في طرحتها، وبصّتلي بمنتهى البرود.
سمعتيني كويس. يمكن ربنا ريّحهم من العيشة اللي كانوا عايشينها. بيت كله خناق ومشاكل، وإنتِ طول الوقت تعبانة ومتنيلة من الدنيا ومش عاجبك حالك.
كنت واقفة في دار مناسبات في طنطا، والقاعة كلها مليانة ورد أبيض، وصور ولادي متعلقة قدام الناس.
آدم وعمر
توأمي.
قبل يومين بس، كنت بحطهم في سريرهم بالليل، وببوس كل واحد فيهم وأقول لهم تصبحوا على خير.
الصبح ما صحيوش.
48 ساعة كاملة وأنا عايشة بجسمي بس.
كل حاجة حواليا كانت ماشية وأنا مش حاسة بيها.
ناس بتعزيني.
ناس بتقول كلام محفوظ.
ناس بتسألني لو محتاجة حاجة.
وأنا كل اللي كنت بعمله إني أبص على بنتي الكبيرة، ليان، وأضمها كل ما تمسك في هدومي.
ليان كان عندها 4 سنين.
ومن ساعة اللي حصل وهي لازقة فيا، ومش راضية تبعد عني لحظة.
لحد ما حماتي قررت تقرب.
بصّيت لها وقلت
لو سمحتي مش وقت الكلام ده.
ضحكت ضحكة باردة.
لأ، هو أنسب وقت. عشان الناس كلها تعرف الحقيقة.
حسيت الدم غلي في عروقي.
حقيقة إيه؟
إنك مش أم كويسة.
اتجمدت مكاني.
ثمان سنين وأنا مستحملة كلامها.
كل مرة تتدخل في لبسي.
مرة في شغلي.
مرة في أكلي.
مرة في تربيتي لولادي.
وحتى وقت حملي كانت بتعاملني كأني واحدة غريبة داخلة بيتهم.
وكل مرة جوزي، كريم، كان يقول نفس الجملة
معلش يا ندى أمي طبعها كده، كبّري دماغك.
لكن المرة دي
أنا خلاص ما كانش عندي حاجة أخسرها.
بصّيت لها وقلت
اسكتي.
وشها اتغير.
نعم؟
بقولك اسكتي. النهارده بالذات اسكتي.
في لحظة، إيدها نزلت على وشي بقلم خلاني ألف وشي للناحية التانية.
الناس شهقت.
وقبل ما ألحق أستوعب، مسكتني من شعري وشدتني ناحيتها، وبعدها زقتني بكل قوتها.
ضهري خبط في طرف التابوت.
صرخت من الوجع.
وحسيت بحاجة سخنة نازلة على جبهتي.
دم.
قربت مني وقالت بصوت واطي
إنتِ لو فتحتي بوقك بكلمة كمان هتلاقي نفسك جنب ولادي.
اتسمّرت مكاني.
حد من الناس جري يمسك إيدي.
وللحظة افتكرت إنه جاي يبعدها عني.
لكن لما رفعت عيني
لقيت جوزي هو اللي ماسكني.
كريم.
جوزي.
أبو ولادي.
كان ماسك دراعي وبيقول
خلاص يا ندى! كفاية فضايح!
بصيت له وأنا مش مصدقة.
أمك ضربتني!
إنتِ أعصابك تعبانة.
ضربتني قدام الناس!
كلنا مصدومين وموجوعين.
وهي لسه مهدداني!
بصّ لأمه
وبعدين بصلي.
وسكت.
وساعتها فهمت حاجة كنت طول عمري برفض أعترف بيها.
كريم عمره ما كان هيقف في صفي لو ده معناه إنه يقف قدام أمه.
حتى النهارده.
حتى قدام نعوش ولاده.
حتى وإحنا بندفن طفلين من لحم ودمه.
وفجأة
سمعت صوت جري.
ليان.
بنتي كانت شايفة كل حاجة.
لكنها ما جتش ناحيتي.
جريت ناحية الشيخ محمود، الشيخ اللي كان هو نفسه اللي صلى على ولادي قبل ما يدفنوهم.
شدت في جلابيته وهي بتعيط.
الشيخ انحنى لمستواها وقال
في إيه يا حبيبتي؟
ليان بصتله بعينين مليانين دموع وقالت
يا شيخ أنا ممكن أقول اللي جدتي عملته في الببرونات بتاعة إخواتي؟
المكان كله سكت.
سكتة تقيلة لدرجة إني سمعت صوت نفس الناس.
كريم إيده ارتخت عن دراعي.
أما حماتي
وشها اتسحب منه الدم مرة واحدة.
ليان!
صوتها خرج متوتر.
إنتِ مش فاهمة حاجة.
بنتي رجعت لورا.
الشيخ وقف بينها وبين حماتي.
حضرتك ما تقربيش منها.
حماتي بصت له بعصبية.
دي طفلة ومش فاهمة هي بتقول إيه!
ليان بدأت تعيط أكتر.
وبصتلي.
ماما أنا شفتها.
قلبي وقف.
شفتِ إيه يا حبيبتي؟
قالت وهي بتشهق من العياط
جدتي كانت في المطبخ بالليل وكان معاها برطمان.
بصيت ناحية حماتي.
هي ما اتكلمتش.
ليان كملت
حطت بودرة بيضا في الببرونات بتاعة آدم وعمر.
حسيت إن الأرض بتنسحب من تحت رجلي.
وفجأة
آخر ليلة في حياة ولادي رجعت قدام عيني بالتفصيل.
فاكرة حماتي وهي داخلة عليا بعد العشا.
كانت بتبصلي وتقول
إنتِ وشك أصفر من قلة النوم. روحي نامي وأنا أعمل لهم الببرونات.
وأنا فعلًا كنت منهارة.
سيبتهم معاها وروحت أوضتي.
لكن قبل ما أنام
افتكرت إني شمّيت ريحة غريبة.
وافتكرت إن آدم شرب نص الببرونة وسابها.
وعمر عمل نفس الحاجة.
وبعدها الاتنين ناموا نوم تقيل جدًا.
تقيل بشكل خلاني أقول لنفسي وقتها
يمكن أخيرًا ارتاحوا.
وبعدين افتكرت حاجة تانية.
حماتي دخلت عليا بعد شوية، وقفت عند باب الأوضة وقالت
أخيرًا البيت هدي.
وقتها ما فهمتش قصدها.
دلوقتي
فهمت.
كل خلية في جسمي كانت بتصرخ.
بصيت لكريم.
إنت سامع؟
هز راسه بسرعة.
ليان بتقول كلام أطفال.
لكن بنتي كانت لسه بتتكلم.
جدتي كمان ادتني بسكوت عشان ما أقولش لماما.
حماتي صرخت
كدابة!
ليان شهقت واستخبت ورا الشيخ.
إنتِ قولتيلي ما أتكلمش!
حماتي حاولت تقرب.
الشيخ وقف قدامها.
محدش يقرب من البنت.
ليان مسكت في هدومه وقالت
وجدتي قالتلي إن بابا هيبقى مبسوط لما كل حاجة تخلص.
كريم وشه اتغير.
بص لحماته.
ماما
لأول مرة، صوته كان مليان خوف.
إنتِ عملتي إيه؟
حماتي ما ردتش.
كانت بتبص حواليها.
على الباب.
على الناس.
على شنطتها.
وفجأة مسكت شنطتها.
الشيخ صرخ
حد يتصل بالشرطة حالًا!
واحد من الموجودين طلع موبايله.
حماتي بصت ناحية الباب
وجريت.
جريت بكل قوتها.
لكن المرة دي
ما كانتش بتهرب من جنازة.
كانت بتهرب من الحقيقة.
والحقيقة كانت لسه في أولها.
حماتي جريت ناحية باب دار المناسبات، لكن قبل ما توصل حتى للباب، اتنين من الرجالة اللي كانوا واقفين في آخر القاعة وقفوا قدامها.
واحد منهم قال
محدش هيمشي من هنا لحد ما الشرطة تيجي.
حماتي بصت له بعينين مليانين غضب.
إنت مالك؟ دي جنازة ابني وأحفادي!
رد عليها
وإحنا كلنا كنا فاكرينها جنازة لحد ما البنت قالت اللي شافته.
أنا كنت واقفة مكاني.
جسمي كله بيرتعش.
مش عارفة أعيط.
مش عارفة أصرخ.
ولا حتى قادرة أستوعب إن الست اللي طول الوقت كانت بتقولي أنا بحب ولاد ابني أكتر من أي حد ممكن تكون هي السبب في موتهم.
بصيت لكريم.
خد بنتك وروح عند الشيخ.
كريم ما اتحركش.
فضل واقف مكانه، عينه بيني وبين أمه.
وبعدين قال
ماما قولي إن الكلام ده مش حقيقي.
حماتي سكتت.
ماما!
رفعت عينيها له وقالت
إنت مصدق طفلة؟
كريم قرب منها خطوة.
أنا بسألك عملتي إيه في الببرونات؟
ضحكت ضحكة غريبة.
إنت كمان هتتهمني؟
جاوبيني!
لأول مرة أشوف كريم بيزعق في أمه.
لكن حماتي ما ردتش.
بدل ما تجاوبه، بصت لي وقالت
إنتِ اللي ورا كل ده.
اتجمدت.
أنا؟
أيوه.
ضحكت وسط دموعي.
أنا ورا موت ولادي؟
قالت
إنتِ اللي كنتِ عايزة تسيبي كريم.
كريم بص لها.
إيه؟
كملت
وإنتِ اللي كنتِ عايزة تاخدي العيال وتخرجي من البيت.
بصيت لكريم.
هو كان ساكت.
وساعتها افتكرت.
من حوالي شهر، كنت فعلًا قلت لكريم
لو أمك فضلت تتدخل في كل حاجة، أنا هاخد ليان والولاد وأروح عند أهلي.
لكن كريم وقتها قال لي
مستحيل تسيبيني.
حماتي ابتسمت.
فاكرة إنك لو مشيتي، كريم هيسيبني وييجي وراكي؟
وبعدين قالت جملة خلت الدم يتجمد في عروقي
كان لازم تختفي من حياته.
القاعة كلها سكتت.
الشيخ محمود قال
الكلام ده معناه إيه؟
حماتي ما ردتش.
وفجأة
صوت سرينة شرطة اتسمع بره.
بعد دقايق، دخل اتنين ضباط.
واحد منهم سأل
مين اللي اتصل؟
واحد من الموجودين رفع إيده.
أنا.
الضابط بص لنا.
مين اللي اتهمته البنت؟
ليان أشارت بإيدها الصغيرة ناحية حماتي.
جدتي.
الضابط قرب منها بهدوء.
متأكدة يا حبيبتي؟
ليان هزت راسها.
أيوه.
وشوفتيها بتحط إيه؟
ليان بصت

تم نسخ الرابط