جهزي
صغيرة.
وبعدين قال
عندها حق.
الناس بدأت تمشي واحدة ورا التانية.
والعربيات بدأت تتحرك من الشارع.
أمي فضلت واقفة.
ندى جنبها.
أما عادل
فكان واقف بعيد شوية.
قربت منه.
قلت
إنت هتمشي؟
بص لي.
لو مش عايزاني أمشي مش همشي.
سكت لحظة.
ثم قلت
أنا مش عارفة أتعامل مع فكرة إن عندي أب فجأة.
ابتسم.
وأنا مش عارف أتعامل مع فكرة إن بنتي كبرت من غيري.
دموعي نزلت.
قلت
ممكن نبدأ من جديد؟
عينيه لمعت.
حتى لو البداية متأخرة؟
متأخرة أحسن من مفيش.
مد إيده.
ترددت لحظة.
ثم مسكتها.
كانت إيده خشنة ودافية.
أول مرة أمسك إيد أبويا.
وأول مرة في حياتي ماحسيتش إني بنت من غير أب.
لكن قبل ما ندخل، عادل وقف فجأة.
بص ناحية أمي.
وقال
في حاجة أخيرة.
أمي اتوترت.
إيه؟
مد لها ظرفًا صغيرًا.
ده مش ليكي.
ثم بص لي.
ده لسلمى.
فتحته.
جواه مفتاح صغير.
استغربت.
مفتاح إيه؟
قال
خزنة جدتك.
خزنة؟
هز رأسه.
قالتلي ما أديهولكيش إلا لما تعرفي الحقيقة كاملة.
بصيت له.
وفيها إيه؟
ابتسم.
حاجة هتفهمك ليه جدتك أصرت إن البيت يبقى باسمك إنتِ بالذات.
طلعنا فوق.
في أوضة جدتي القديمة كان فيه دولاب خشب تقيل.
دورت بالمفتاح لحد ما لقيت فتحة صغيرة خلف درج قديم.
دخلت المفتاح.
سمعت صوت القفل وهو بيفتح.
فتحت الخزنة.
كان جواها ملف.
وصورة.
وشهادة ملكية.
لكن المفاجأة كانت في الورقة الأخيرة.
كانت شهادة تثبت إن جدتي كانت قد أسست حسابًا بنكيًا باسمي وأنا طفلة، وحطت فيه جزءًا كبيرًا من مدخراتها.
الفلوس كانت كافية إني أبدأ حياتي من غير ما أحتاج لأي حد.
لكنها ماوقفتش هنا.
كان فيه جواب أخير.
فتحته.
يا سلمى، لو بتقري الكلام ده، يبقى عرفتي إن أبوكي ماكانش الشخص اللي اتقالك عليه. لكن خلي بالك من حاجة أهم لا تخلي وجعك من أمك يخليكي نسخة منها. هي أخطأت لأنها خافت، وأبوك أخطأ لأنه صدّق خوفها وسكت سنين. سامحي لما تقدري، لكن ما تسمحيش لحد يلغي حقك في الاختيار.
قفلت الرسالة.
وقعدت على سرير جدتي.
لأول مرة من سنين حسيت إن قطع اللغز كلها اتجمعت قدامي.
أبويا ماكانش سايبني.
أمي ماكانتْش بتكرهني.
لكن خوفها ووجعها خلاها ترتكب أخطاء كبيرة.
وأختي كانت مستعدة تبيع بيتي عشان تنقذ نفسها.
أما أنا
فكنت طول عمري فاكرة إن البيت مجرد بيت.
طلع البيت كان شاهدًا على كل اللي حصل.
بعد ست شهور
حصلت حاجات كتير.
ندى فسخت اتفاق البيع، ورجعت العربون، وبدأت مشروع صغير من جديد بمساعدة نفسها، من غير ما تستخدم بيتي.
وأمي بدأت تتعالج نفسيًا من آثار السنين اللي عاشتها وهي شايلة خوف وندم.
علاقتي بيها ما رجعتش زي الأول.
لكنها بقت أصدق.
أما عادل
فبقى جزء من حياتنا.
مش بشكل مفاجئ.
كان ييجي كل جمعة.
نقعد نشرب الشاي.
يحكيلي عن طفولته.
وأحكيله عن الجامعة والشغل والحاجات اللي فاتته.
وفي أول عيد بعد رجوعه، جابلي هدية بسيطة.
ساعة قديمة.
وقال
دي كانت معايا يوم اتولدتِ.
بصيت للساعة.
ليه محتفظ بيها كل السنين دي؟
ابتسم.
عشان كنت مستني اليوم اللي أديها لك فيه.
لبستها.
ومن يومها ماخلعتهاش.
أما البيت
فما بعتهوش.
ولا حولته لقصر مناسبات.
بالعكس.
احتفظت بيه زي ما هو.
وفي يوم من الأيام، أمي وأختي كانوا قاعدين في الحوش.
وأبويا بيحاول يصلح كرسي قديم.
ندى ضحكت وقالت
فاكرة يوم ال واحد؟
بصيت لها وضحكت.
أيوه.
قالت
أنا لحد دلوقتي مش عارفة إزاي قدرنا نقف كلنا قدام الباب ونستنى وإنتِ ساكتة.
قلت
كنت مستنية أبويا.
عادل رفع رأسه من الكرسي.
وقال
وأنا كنت مستني بنتي.
ضحكنا كلنا.
وبصيت للبيت.
نفس الباب.
نفس الحوش.
نفس الجراج.
لكن كل حاجة اتغيرت.
لأن البيت اللي كانت عيلتي فاكرة إنها تقدر تستولي عليه
علّمني إن أغلى حاجة مش الأرض ولا الفلوس ولا الملكية.
أغلى حاجة إنك تعرف الحقيقة قبل ما تحكم على حد.
وإن اللي بيتخبى سنين
مهما طال الوقت
بييجي يوم ويفتح بابه بنفسه.
أما أمي، فقبل ما تمشي في إحدى الليالي، وقفت عند الباب وقالت لي
سلمى؟
نعم؟
أنا عارفة إنك لسه موجوعة مني.
سكت.
بس شكرًا إنك ماحرمتينيش من فرصة أصلح اللي عملته.
بصيت لها.
وقلت
وأنا شكرًا إنك أخيرًا سيبتيني أعرف الحقيقة.
المرة دي
قفلت الباب.
وبصيت للمفتاح اللي في إيدي.
نفس المفتاح اللي كنت ماسكاه يوم وقفت العيلة كلها قدام بيتي.
يومها كنت فاكرة إني بقفل الباب في وشهم.
لكن الحقيقة
إني كنت بفتح بابًا للحقيقة.
والحقيقة، رغم إنها وجعتني
كانت أول حاجة رجّعتلي أبويا.
وأول حاجة خلتني أفهم جدتي.
وأول حاجة خلتني أعرف إن أمي مش ملاك ولا شيطان
إنسانة غلطت.
وإن أنا مش مضطرة أكرر غلطها.
النهاية.