جهزي
جهزي الترابيزات، إحنا هنبقى ٥٢ واحد
أختي بعتتلي الرسالة كأن البيت بقى بيتها، وكأن من حقها تقرر مين يدخل ومين يخرج.
رديت عليها بكلمتين بس
ماتيجوش.
لكن يوم السبت، لقيت كل العيلة واقفة قدام باب بيتي.
ماجادلتش.
مافتحتش.
طلعت مفتاح من جيبي واستنيت.
وبعدها بدقايق، ظهر راجل أمي كانت طول عمرها بتقول إنه سابنا ومارماش ورانا حتى سؤال
الجزء الأول
افتحي الباب يا سلمى! الناس كلها وصلت، ومش معقول تفضحينا قدام الخلق!
أمي كانت بتشد في إيد باب الحديد بعصبية لدرجة إن صوته كان بيصرّ على الشارع كله.
وراها، الشارع قدام بيتي في إحدى مناطق المنوفية كان مليان عربيات.
ستات شايلة صواني وحلويات، رجالة بينزلوا كراتين مياه وشيكولاتة، عيال صغيرة بتجري وهي بتسأل
هو حمام السباحة فين؟
وفي ناس أنا أصلًا معرفهاش، واقفين بيتفرجوا على بيتي وكأنه قاعة أفراح محجوزة باسم أختي.
أما أختي ندى
فكانت واقفة بتبتسم.
وده كان أكتر حاجة استفزتني.
لأني قبلها بأربع أيام بس كنت قايلة لها بمنتهى الوضوح
لأ.
الحكاية بدأت يوم الاتنين، وأنا في شغلي في محل أدوات كهربائية.
الموبايل اهتز فوق الكاونتر.
فتحت الرسالة.
ندى كاتبة
السبت عندنا العزومة في بيتك. حوالي ٥٢ واحد. املَي حمام السباحة وخلي الحوش فاضي عشان الترابيزات والكراسي.
قريتها مرتين.
حتى ما سألتنيش.
رديت
ماتيجوش. البيت مش هيتفتح لأي عزومة.
بعتتلي إيموجي ضحكة.
وبعدها كتبت
كل الناس عارفة إن التجمع عندك. هتعملي إيه يعني لما يجوا؟
رديت عليها
هسيب الباب مقفول.
افتكرت إن الكلام خلص هنا.
طلع لأ.
نفس اليوم بالليل، أمي اتصلت بيا.
إنتِ بقى إيه اللي بتعمليه ده؟ دي عزومة أختك وأهل خطيبها! ماتكونيش أنانية.
يا ماما، بيتي مش قاعة مناسبات.
ده بيت العيلة!
لأ، ده بيتي أنا.
سكتت ثواني، وبعدين قالت الجملة اللي وجعتني
جدتك سابتلك البيت ده عشان تلمي العيلة فيه، مش عشان تقطعي نفسك عن أهلك.
قفلت المكالمة وأنا مخنوقة.
البيت أصلًا كان بتاع جدتي فاطمة.
وقبل ما تتوفى بكام شهر، عملتلي تنازل رسمي عن البيت عند الشهر العقاري.
ندى طول عمرها بتقول إني محظوظة وإن جدتي فضلتني عليها.
مع إنها كانت بتستفيد مني طول الوقت.
حتى جراج البيت كنت سايبهولها بالمجان تحط فيه حاجات شغلها.
كرتين مفارش.
ترابيزات صغيرة.
ورد صناعي.
كراسي.
وحاجات كتير من مستلزمات تجهيز الحفلات اللي كانت بتأجرها للناس.
وفوق ده كله، سنين وأنا اللي واقفة جنب أمي في مشاويرها، وفواتيرها، ومصاريف كتير كانت بتحتاجها.
بس مهما عملت
كان دايمًا ناقص.
يوم الخميس، جالي اتصال من حماتي المستقبلية لأختي، مدام سهير.
قالتلي بنبرة عادية جدًا
يا سلمى، كنت عايزة أعرف بس الناس هتركن عربياتها فين يوم السبت؟
اتخضيت.
حضرتك، مفيش حاجة يوم السبت هنا.
إزاي؟ ندى قالت إن كل حاجة متظبطة.
أنا ماوافقتش على أي عزومة، ومحدش خد مني إذن أصلًا.
سكتت شوية.
وبعدين سمعت صوت ندى من بعيد
يا ماما ماتسمعيش كلامها! هي بس متضايقة مني شوية أنا هظبط الموضوع.
قربت الموبايل من ودني وقلت
ندى، محدش هيظبط حاجة من ورايا. البيت بيتي، وأنا قلت لأ.
قفلت معاها.
وفي نفس الليلة، نزلت بنفسي واتأكدت من القفل.
وغيرت كالون باب الجراج كمان.
لكن في حاجة تانية عملتها
حاجة كنت مأجلاها بقالها سنين.
قبلها بأسبوع، عمتي منى كانت عندي، ولقت في درج قديم بيت صغير من الخشب.
مسكته وبصتلي.
وقالت من غير ما تقصد
لسه محتفظة بالبيت اللي أبوكي عملهولك؟
اتجمدت.
أبويا؟
عمتي سكتت.
أنا طول عمري سامعة نفس الكلام من أمي
أبوكي سابنا.
مارجعش يسأل عليكي.
ولا مرة بعت جنيه.
ولا حتى حاول يعرف أخباركم.
أبويا كان بالنسبالي شخص اختفى من حياتنا من زمان.
لكن عمتي في اللحظة دي اتوترت، وكأنها قالت حاجة ماكانش ينفع تقولها.
فضلت أسألها لحد ما اعترفت.
قالت إن أبويا، بعد ما انفصل عن أمي، حاول يتصل كذا مرة.
وكان بيسأل علينا.
لكن أمي كانت بتقفل الموضوع.
وبعدين، بعد تردد طويل، طلعت ورقة صغيرة من شنطتها.
كان عليها رقم تليفون.
رقم أبويا.
فضلت أبص للرقم وقت طويل.
وفي الآخر
اتصلت.
رد صوت راجل كبير
ألو؟
بلعت ريقي.
أستاذ عادل؟
سكت ثواني.
أيوه مين؟
قلبي كان بيدق بسرعة.
أنا سلمى
سكت.
سلمى مين؟
نفسي اتقطع.
قلت
بنتك بنت نادية.
الراجل ما ردش.
فضل ساكت ثواني طويلة.
وبعدين سمعت صوته مبحوح
سلمى؟
كانت أول مرة أسمع اسمي منه.
وأول مرة أحس إن الصوت اللي طول عمري متخيلة إنه مش موجود طلع موجود فعلًا.
طلبت منه يقابلني يوم السبت قبل الضهر.
وماحكيتلوش أي حاجة عن العزومة.
ولا عن أختي.
ولا عن اللي كان هيحصل.
ماكنتش عارفة وقتها إن مكالمتي دي هتقلب كل حاجة.
السبت جه.
ومن الساعة ١١ الصبح، بدأت العربيات تتوافد.
واحدة ورا التانية.
وبعدها شفت أمي وأختي واقفين قدام الباب.
ومعاهم عشرات الناس.
أمي خبطت على الباب بعنف.
سلمى! افتحي الباب بدل ما أفضحك قدام الناس!
ندى زقت نفسها قدامها وقالت
افتحي بقى يا بنتي، الناس كلها وصلت. هتعملي فينا إيه يعني؟
ما رديتش.
فضلت واقفة جوه البيت.
ببص من ورا الستارة.
كنت شايفة الناس بتبص لبعضها ومستغربين.
أمي رجعت تخبط.
إنتِ سامعاني؟ افتحي!
ندى ضحكت وقالت بصوت عالي
هي بس بتعمل علينا حركة كده هتفتح يعني هتفتح.
لكن أنا ما فتحتش.
طلعت المفتاح من جيبي.
وقفت مستنية.
لحد ما سمعت صوت عربية بتقف آخر الشارع.
رفعت عيني من بعيد.
كان فيه راجل نازل من العربية.
لابس قميص فاتح وبنطلون بسيط، وفي إيده شنطة أدوات قديمة.
مشي ناحيتنا بهدوء.
كل خطوة كان بيقرب فيها، قلبي كان بيدق أسرع.
لحد ما أمي شافته.
وشها اتغير.
ابتسامتها اختفت.
إيديها نزلت من على الباب.
وبقت واقفة كأنها شافت شبح.
الراجل وقف قدامها.
وبص لها.
وقال بهدوء
إزيك يا نادية؟
أمي ما ردتش.
ندى بصتله باستغراب.
حضرتك مين؟
الراجل حط شنطة الأدوات على الأرض.
وبص لأختي.
وقال
أنا عادل.
ندى عقدت حواجبها.
عادل مين؟
بص لها للحظات، وبعدين قال
عادل أبوكي.
ساعتها
الشارع كله سكت.
وأنا من ورا الباب حسيت إن كل حاجة حواليا اختفت.
لأن الرجل اللي أمي قالت لنا طول عمرنا إنه هرب وسابنا
كان واقف قدامها.
حي.
وواقف في بيت بنته.
لكن اللي ماكنتش أعرفه وقتها
إن ظهوره ماكانش أخطر حاجة هتحصل في اليوم ده.
الأخطر كان السر اللي جاي معاه.
سر لو اتكشف
كان هيخلّي كل واحد واقف قدام باب بيتي يتمنى إنه ماجاش أصلًا.
عادل أبوكي.
الكلمة وقعت على المكان كأن حد رمى حجر في وسط بركة هادية.
ندى فضلت باصة له وهي مش مستوعبة.
إنت بتهزر؟
عادل ابتسم ابتسامة حزينة.
نفسي أكون بهزر يا بنتي.
أمي أخيرًا تحركت.
قربت منه خطوة، وصوتها خرج واطي ومتوتر
إنت بتعمل إيه هنا؟
بصلها في عينيها.
جاي أشوف بنتي.
بعد السنين دي كلها؟
السنين دي كلها أنا كنت بحاول أشوفها.
اتجمدت أمي.
أنا من ورا الباب كنت سامعة كل كلمة.
ندى بصت لأمي.
ماما هو بيتكلم بجد؟
أمي ما ردتش.
وهنا عادل مد إيده داخل جيبه وطلع ظرف بني قديم.
وقال
أنا مش جاي أعمل مشكلة يا نادية. أنا بس تعبت من إني أفضل ساكت.
أمي بصت للظرف، ووشها شحب.
قالت بسرعة
امشي يا عادل.
مش همشي.
الناس كلها هنا.
عارف.
هتفضحنا؟
هز رأسه.
لأ. أنا اللي اتفضحت سنين.
ثم رفع عينيه ناحية باب البيت وقال
سلمى لو إنتِ سامعاني، أنا مش جاي أخد منك حاجة.
قلبي اتقبض.
فتحت الباب.
كل العيون اتجهت ناحيتي.
خرجت بهدوء.
بصيت للرجل اللي قدامي.
كان في ملامحه حاجة غريبة
حاجة كنت بدور عليها طول عمري في صور قديمة مش واضحة.
نفس شكل عيني.
نفس طريقة الوقوف.
حتى إيده وهي ماسكة الظرف كانت بتترعش بنفس الطريقة اللي إيدي بتترعش بيها لما أكون متوترة.
قلت
إنت فعلًا أبويا؟
عادل بلع ريقه.
أيوه يا سلمى.
طب ليه سبتنا؟
أمي صرخت
عشان هو
قاطعها عادل