صحيت جوه

لمحة نيوز

صحيت جوه التابوت ومش قادرة أحرك حتى صباعي، وكنت فاكرة إن اللي بيحصل ده مجرد كابوس لحد ما سمعت جوزي بيقول
متفتحوش التابوت إحنا ودّعناها خلاص. خلّصوا الدفنة ونخلص.
في اللحظة دي فهمت إني مش ميتة.
والأسوأ من كده إن جوزي كان عايزني أموت فعلًا.
اسمي سلمى، عندي ستة وتلاتين سنة، وكنت متجوزة حسام بقالنا تقريبًا تسع سنين.
تسع سنين وأنا فاكرة إني عارفة الراجل اللي نايمة جنبه كل يوم.
بس اليوم ده علّمني إن ممكن تعيش مع إنسان سنين طويلة وبرضه ما تعرفش حقيقته.
فتحت عيني، أو حاولت أفتحهم، لكن الدنيا كانت ضلمة ضلمة.
حاولت أحرك إيدي.
مفيش.
رجلي.
مفيش.
حتى صوابعي مش راضية تسمع كلامي.
حاولت أصرخ لكن صوتي ماطلعش.
كنت واعية، وباخد نفسي بالعافية، وحاسة إني محبوسة في مكان ضيق جدًا، وريحة ورد نفاذة خانقة ماليه المكان.
فضلت أحاول أفتكر حصل إيه.
وفجأة افتكرت آخر ليلة.
كنت في بيتنا في مدينة نصر مع حسام.
صاحبتنا القديمة نهى كانت عدّت علينا بحجة إنها جاية تسلّمه شوية ورق يخص الشغل.
قعدنا واتعشينا عادي جدًا.
بعدها بدقايق بدأت أحس بدوخة غريبة.
الدنيا لفت بيا، ورجلي ما شالتنيش.
آخر حاجة فاكرها إن حسام لحقني قبل ما أقع.
وقال لي وهو بيسندني
نامي يا حبيبتي شكلك أكلتي حاجة تعبتك.
وبعدها
الدنيا اسودّت.
لحد ما صحيت في المكان ده.
في الأول كنت مش مستوعبة.
لكن لما حسيت إن جسمي محشور على سطح صلب، وإن فوقي حاجة مقفولة، وإن العربية اللي أنا جواها وقفت
الفكرة ضربت في دماغي مرة واحدة.
أنا جوه تابوت.
فضلت أتنفس بسرعة من الرعب.
كنت عايزة أضرب على الغطا، أصرخ، أستغيث بأي حد.
لكن جسمي كان لسه شبه مشلول.
وبعدين سمعت خطوات.
صوتين.
واحد منهم عارفاه كويس.
حسام.
والصوت التاني
نهى.
للحظة حسيت براحة.
قلت لنفسي خلاص، الحمد لله هيعرفوا إني عايشة، هيفتحوا التابوت، وهيطلبوا إسعاف.
لكن قبل ما أقدر أعمل أي حاجة، سمعت نهى بتضحك.
ضحكة باردة خلت الدم يتجمد في عروقي.
وقالت
أخيرًا خلصنا منها. أول ما تتدفن نقدر نبطل تمثيل بقى.
حسام رد عليها بصوت هادي
وأهو أخيرًا هنحط إيدنا على كل اللي سابه أبوها.
في اللحظة دي حسيت إن قلبي وقف.
أبويا.
أبويا كان مات من سنتين.
وقبل ما يموت كان سايب لي شوية أملاك، وفلوس في البنك، وشقة كبيرة في مصر الجديدة، وكل حاجة كانت باسمي أنا.
حسام طول عمره يقولي
أنا مش فارق معايا فلوسك يا سلمى، أنا عايزك إنتِ.
طلعت الفلوس فارقة معاه.
وطلعت أنا
آخر حاجة فارقة معاه.
سمعت صوت راجل كبير قرب من التابوت.
غالبًا كان التربي.
قال لحسام
هو مفيش حد تاني من أهلها جاي؟
حسام رد بسرعة
لأ، محدش هييجي. أهلها كلهم عارفين إنها تعبانة ومفيش حد هيقدر يحضر.
كلمة تعبانة وقعت عليا زي السكينة.
يعني هو كان مجهز الرواية من قبلها.
سمعت التربي بيسأل
طب ما تفتحوا التابوت كده آخر مرة؟ أهلها يمكن يحبوا يودعوها.
جوا التابوت كنت بصرخ بكل قوتي
افتحه!
أنا عايشة!
أنا هنا!
لكن لساني ماطلعش منه صوت.
حسام قال بمنتهى البرود
مفيش داعي. إحنا ودّعناها خلاص كفاية اللي شوفناه.
وسمعت خطواته بتبعد.
خطواته هو ونهى.
جوزي
وصاحبتي
سابوني أندفن وأنا عايشة.
فضلت أسمع صوتهم وهما بيبعدوا، وأنا مش عارفة أعمل حاجة.
لازم أقول إن أكتر حاجة وجعتني مش الخوف من الموت.
كان إحساس الخيانة.
إن الشخص اللي كنت فاكرة إنه أكتر حد في الدنيا هيخاف عليا
كان واقف فوق قبري وبيستعجل دفني.
وفجأة سمعت صوت تاني.
كلب.
كان بيشم حوالين التابوت وبيطلع صوت أنين غريب.
التربي قال له
تعالى يا برونو ابعد يا ابني، مالك بس؟
لكن الكلب ماكانش بيسمع الكلام.
بدأ يحك الأرض حوالين التابوت.
وبعدين نط جوه الحفرة وفضل يخربش في الغطا بعنف.
التربي حاول يشده.
برونو! اطلع يا ابني!
لكن الكلب رفض.
وفي اللحظة دي
بدأوا ينزلوا التابوت.
جسمي اتحرك مع النزول، وأنا حاسة إن روحي بتطلع مني.
وبعد ثواني
خبط!
التابوت وصل قاع الحفرة.
اتجمدت مكاني.
كنت عارفة إن دي اللحظة اللي لو عدّت ممكن فعلًا أموت.
سمعت أول شوية تراب بينزلوا فوق الغطا.
خبطة.
وبعدها واحدة تانية.
وبعدين تالتة.
كل حفنة تراب كانت بالنسبة لي زي سنة كاملة.
افتكرت أبويا.
افتكرت أمي.
افتكرت بيتي.
افتكرت كل الناس اللي بتحبني واللي أكيد لسه فاكرين إني عايشة.
حسام كان مستعجل يدفنني قبل ما حد يسأل.
قبل ما حد يشك.
قبل ما حد يعرف الحقيقة.
وبينما التراب بيزيد فوق التابوت
سمعت برونو بيهوهو بجنون.
التربي حاول يبعده، لكن الكلب نط تاني جوه الحفرة وفضل يخربش الغطا بكل قوته.
وأنا
حاولت أحرك إيدي.
مرة.
ماقدرتش.
حاولت تاني.
صوابعي اتحركت حركة بسيطة جدًا.
جمعت كل القوة اللي فيا.
ورفعت إيدي
وخبطت على غطا التابوت.
خبطة واحدة.
ضعيفة جدًا.
لكن الكلب سكت فجأة.
التربي سكت.
حتى الدنيا كلها كأنها سكتت.
وبعدين سمعت صوته وهو بيقول بخوف
هو إيه الصوت ده؟
أنا ماقدرتش أتكلم.
خبطت تاني.
المرة دي أقوى شوية.
دق دق.
التربي صرخ
يا رمضان! تعالى بسرعة! إحنا لازم نطلع التابوت ده حالًا!
وفجأة سمعت صوت الجنازير والحركة حواليا.
الرجالة بدأوا يشيلوا التراب بسرعة.
وأنا جوا التابوت كنت باخد نفسي بالعافية، وكل خلية في جسمي بتصرخ من الرعب.
لكن وسط كل ده
كان فيه سؤال واحد بس بيلف في دماغي
ليه حسام كان مستعجل يدفنني للدرجة دي؟
كنت فاكرة إن الحكاية كلها بسبب فلوس أبويا.
لكن اللي هكتشفه بعد ما يفتحوا التابوت
كان أخطر بكتير من مجرد فلوس.
لأن حسام ماكانش خايف إني أعيش
كان خايف إني أفتكر اللي حصل ليلة موتي المزعومة.
فتحوا التابوت أخيرًا.
أول حاجة حسيتها كانت الهوا.
هوا بارد دخل صدري مرة واحدة، فبدأت أتنفس بجنون وأنا بفتح عيني بالعافية.
وش التربي كان فوق وشي، ولما شافني عايشة رجع لورا وهو بيقول
يا ساتر يا رب!
الراجل التاني وقف مصدوم، وبرونو فضل ينبح جنبي

تم نسخ الرابط