سمعت حماتي

لمحة نيوز

سمعت حماتي بتضحك فرحانة عشان أمي بتموت، كنت واقفة على بعد كم خطوة بس من باب العمليات.
خلاص يا سيدي، الدنيا ضحكتلنا! عفاف كانت بتقولها وهي طايرة من الفرحة باللي هتسيبه الست دي، مش هنفكر في القرش تاني طول عمرنا.
وبعدها سمعت مصطفى، جوزي.
وتصدقي يا أمي، كانت زي القطة بسبع أرواح؟ في الآخر لازم كان يجي ميكروباص يخلص الموضوع.
حسيت إن أرض المستشفى بتتسحب من تحت رجلي. أمي، فاطمة، كانت جوة بين إيدين ربنا بتصارع عشان تنفس بعد حادثة عربية، في الوقت اللي أكتر اتنين مثّلوا عليّا الحب والشهامة لشهور، قاعدين برة بيعدوا الفلوس اللي مستنيين يورثوها أول ما تطلع روحها.
كان عندي ستة وتلاتين سنة، ولحد اللحظة دي كنت فاكرة إن جوازي هو الحجة الصاحية الوحيدة في حياتي. أنا اتولدت وتربيت في حارة صغيرة في السيدة زينب، ورا محل فول وطعمية صغير كانت أمي بتقوم من فجر ربنا تجهز فيه وتطبخ. طول عمري بشوف أمي بالطرحة القطن، والشبشب القماش، وشنطة بلاستيك في إيدها شايلة فيها حتى فواتير النور القديمة. عمرها ما جابت طقم غالي، ولا راحت مصيف، ولا فكرت تتباهى بحاجة.
عشان كده، لا أنا ولا أخويا كريم كنا نعرف على مدار سنين إن المحل الصغير ده كان مجرد البداية. أمي باعت المكان لما المنطقة بقت تجارية، ودخلت في تجارة وتوزيع بهارات ومخللات للمطاعم الكبيرة، وبنت جنيه فوق جنيه ثروة تعدي السبعين مليون جنيه.
أنا نفسي ما عرفتش غير قبل فرحي بفترة صغيرة.
أمي أخدتني لمعرض موبيليا كبير في التجمع، ودفعت كاش ثمن العفش كله الصالة، والسفرة، وأوضة النوم لأشتاتي الجديدة.
مش عوزاكي تروحي بيت حد وإنتي حاسة إنك أقل من حد قالتها لي وهي بتبص في عيني.
مصطفى اتغير من اليوم ده، بس أنا اللي غطيت عيني وما رضيتش أفهم. لحد اليوم ده، أمه كانت بتعاملني ببرود وتكبر. في أول عزومة بنا، سألتني بفضول هو كشك أمك ده بيدخل كام في الشهر؟ بس أول ما شافت العفش والفلوس، بقت تندهلي يا بنتي يا حبيبتي، وتحضن فيا ونتحاكى إن ربنا رزق ابنها بجوهرة.
بعد سنة واحدة، الدكاترة شخصوا أمي بالكانسر في مرحلة متأخرة.
الدكتور قالنا قدامها شهور معدودة. قعدت على الرصيف برة المستشفى أبكي لحد ما نفسي اتقطع. أمي حطت إيدها الخشنة على راسي وبتطبطب عليا.
ما تشغليش بالك باللي هسيبه ya ندى.. اشغلي بالك إنك ما تسلميش عمرك للناس الغلط.
بعدها بأيام جمعتنا أنا وكريم أخويا. طلعت دوسيه قديم فيه عقود محلات، وشيكات، وشهادات استثمار.
كل ده هيكون ليكم إنتو الاتنين بالنص. بس اسمعي كويس يا ندى مصطفى وأمه ما يعرفوش جنيه واحد من ده بكام.
اتضايقت منها وقلت
ده جوزي يا أمي!
وعشان هو جوزك، عوزاكي تفتحي عينيكي. الفلوس مش بتغير الناس يا بنتي، الفلوس بس بتشيل الماسك من على وشوشهم.
وعدتها إني هسكت.
بعدها على طول، مصطفى بدأ يسأل كتير عن أملاك أمي، وعن المأذون والشهر العقاري والضرائب. كنت برده وبقوله إن أمي حيلتها معايش بسيطة ومصاريف العلاج بتاكل الباقي. وهنا حصلت الحجة اللي خلتني أكل في نفسي من الذنب عفاف أمه بدأت تشيل أمي شيل! كانت بتجيلها الشقة في المعادي، تطبخ لها، وتسرح لها شعرها، وأخدتها كام مرة فكّت عنها في الجونة وإسكندرية. ومصطفى كان يخلص شغله في الشركة ويجري يروح يظبط لها أعدتها ويطلب لها دكاترة مساج لما الوجع يزيد عليها.
بكيت من كتر الامتنان.. وكنت خلاص هروح لأمي وأقولها إني ظلمتهم.
في ليلة، لمحت عفاف واقفة في الممر بتتكلم في التليفون بصوت واطي بس ناشف
أنا عاوزة تأكيد بالأملاك والعقارات، مش كلام وخلاص!
أول ما شافتني قفلت بسرعة وقالتلي إنها بتراجع حسابات الجمعية مع البنك.
بعدها بأسابيع، أمي حالتها تحسنت فجأة بشكل غريب. كريم كان وياها في العربية ورايحين يعملوا تحاليل، وفجأة ميكروباص طار ودخل في عربيتهم عند صينية التجمع. كريم نزل بإصابات خفيفة، وأمي راحت المستشفى مغمى عليها وفي حالة حرج.
الجراح خرج وقالنا أدعولها، الوضع صعب جداً.
مصطفى وأمه جم يجروا وهم بيبكوا، حضنوني وجابولي مية، وبعدين استأذنوا يمشوا في الممر. بعدها بدقائق مشيت وراهم وسمعت ضحكهم المستخبي ورا الحيطة.
خلاص يا سيدي، هنشتري في الشيخ زايد ونروق على حالنا عفاف كانت بتقول كده.
كان مستاهل الصبر والتثبيت اللي عملناه الشهور اللي فاتت دي كلها رد مصطفى وهو بيضحك.
وبعدين طلعت الجملة اللي جمدت الدم في عروقي.
الواد بتاع التحرّيات طلع صح.. اتنين وسبعين مليون. حتى لو أخوها كريم أخد النص، لو اتعاملنا مع ندى صح هنطلع بقرشين يغيروا عيلتنا كلها.
اتنين وسبعين مليون.
الرقم بالظبط.
رقم ما فيش مخلوق برة عيلتنا يعرفه.
قبل ما أقدر أتحرك من مكاني، الدكتور خرج بيجري من باب العمليات وهو بيزعق
أهل الحجة فاطمة! النبض رجع والنزيف اتوقف! الحالة لسه حرجة بس عدت مرحلة الخطر وبتستجيب!
ورايا على طول، سمعت صوت رقعة جامدة على الأرض.
عفاف كانت وقعت بطولها على الأرضغميان عليها من الصدمة.
وهي ومصطفى بيحاول يقومها، فهمت إن أمي كانت صح من أول دقيقة. بس اللي ما كنتش اعرفه وقتها.. هما وصلوا لإيه تاني عشان يوصلوا لفلوس أمي؟
الجزء الثاني
فضلت واقفة مكاني، باصة لأم مصطفى وهي لسه على الأرض، ومصطفى

تم نسخ الرابط