سقط زعيم المافيا
سقط زعيم المافيا المحتضر على الأرض، وعرفت جلاية الصحون ممتلئة القوام سراً ما يقدرش أي دكتور في الأوضة يشوفه.
في الساعة 903 ليلة السبت، عز الدين القناوي، أكتر راجل بيترعب منه الناس في القاهرة، وقع على الأرضية الملمعة في أوضة السفرة الخاصة، والست رجالة المسلحين اللي معاه واقفين باصين له كأن الموت دخل عليهم فجأة من باب مقفول.
كنت أنا في المطبخ اللي ورا، وإيدي غرقانة في مية غسيل الصحون.
بالنسبة لأي حد في مطعم بيلو روسو اللي في الزمالك، كنت نور، جلاية الصحون اللي جسمها مليان شوية، اللي ديماً موطية راسها، ولابسة جزمة سودة ضد التزحلق، وما بتفتحش بوقها غير لو حد سألها فين أطباق الشوربة النضيفة. كنت الست اللي الجرصونات بيعدوا من جنبها وهم بيجروا في زحمة العشاء. الست اللي طباخين الصف كانوا بيقولوا لها يا حبيبتي لما يحبوا يبانوا غلابة، ويطلبوا منها توسع لهم لما يحبوا يبقوا صريحين. الست اللي ما حدش فيهم تخيل أبداً إنها كانت بتدعى زمان تدي محاضرات في قاعات كليات الطب، والجراحين الكبار بيكتبوا وراها كل كلمة بتقولها.
شافوا المريلة.
شافوا جسمي.
شافوا الست اللي بتعرق ورا حوض البخار، وافترضوا إن الحياة حطتني في المكان اللي أنتمي ليه بالظبط.
ما يعرفوش إني قبل ما شركة أدوية بمليارات الجنيهات تمسح اسمي من كل باب مهم، كنت واحدة من أشطر أخصائيي السموم في مصر.
ما يعرفوش إني قضيت 14 سنة من عمري بحدد أنواع السموم بسرعة عشان ألحق القلوب قبل ما تقف.
ما يعرفوش إني كتبت 6 آلاف كلمة عن مادة نباتية نادرة، ممكن تقتل راجل من غير ما تسيب أثر أكتر من همسة في كاس ويسكي بتاعه.
عشان كدة، لما بصيت من شباك التقديم الضيق وشفت عز الدين القناوي بيلمس شفايفه مرة، وبعدين التانية، مع نظرة حيرة خفيفة في عينيه، عرفت حاجة ما حدش في الأوضة دي يقدر يعرفها.
بقه اتخدر.
وصوابعه هتمشي وراه.
وبعدها قلبه هيبدأ يفقد إيقاعه.
ولو ما حدش اتحرك في دقايق، أخطر راجل في المدينة هيموت على أرضية أوضته، والرجالة اللي حموه من الرصاص والسكاكين والقنابل والخيانة واقفين عاجزين وسلاحهم في إيدهم.
سيبت الطبق اللي كنت بغسله.
الخزف خبط في المعدن بتاع الحوض، صوت عادي جداً، صوت ملوش علاقة بالموت.
من جوه المطبخ، صرخ محمود مساعد الشيف يا نور، محتاجين الأطباق دي حالا.
قلعت الجوانتي المطاط.
نور.
نشفت إيدي في المريلة.
يا نور، يا أختي في إيه؟ إنتِ بتعملي إيه؟
مشيت ناحية أوضة السفرة الخاصة.
الخوف ده حاجة غريبة، الناس فاكرة إنه بيبان في رعشة إيد أو ضربات قلب سريعة. أوقات بيحصل كدة فعلاً، بس أوقات تانية الخوف بيجي في شكل هدوء تام، لأن العقل بيدرك إنه ما بقاش فيه وقت للذعر. ما كانش فيه مكان للخوف جوايا الليلة دي. كان فيه رياضيات بس.
تخدير الشفايف الساعة 847.
تردد في القبضة الساعة 850.
الوقعة الساعة 903.
لو أنا صح، فعز الدين القناوي قدامه 17 دقيقة قبل ما الفرصة تضيع.
ولو أنا غلط، فأنا على وشك أدخل أوضة مليانة مجرمين وأخلي نفسي مستحيلة التجاهل.
زقيت الباب المتأرجح.
بندقية اترفعت في وشي قبل ما أعدي العتبة.
ارجعي المطبخ، قال راجل.
كان طويل، عريض، وموش باين على وشه أي تعبير، لابس بدلة سودة باين عليها غالية لدرجة إنها تنفع للكفن. مسدسه كان موجه لصدري مباشرة.
كملت مشي.
اسمي نور، قلت، وصوتي طلع بالطريقة اللي كان بيطلع بيها في أوض الطوارئ. واضح، هادي، وواثق. أنا أخصائية سموم. الراجل ده متسمم، ولو عايزين تفضلوا مخليينه عايش، نزلوا السلاح ده وسيبوني أشتغل.
الأوضة بطلت تتنفس.
كان عز الدين القناوي نايم على جنبه جنب الطاولة، وإيده لسه متكورة كأنها فاكرة كاس النبيذ. شعره الفضي ملموم لورا بشياكة. بدلته الغامقة ما تكركبتش. حتى وهو على الأرض، ومع لمعة العرق على جبينه، ما بانش عاجز قد ما بان كملك خذلته الخيانة مؤقتاً.
وقف راجل أكبر سناً بعيون بنية حادة جنبه. كان أنحف من التانيين، دقنه الرمادية محلوقة بعناية، وإيديه فاضية. ما حاولش يمسك سلاح. بص لي بالطريقة اللي الأذكياء بيبصوا بيها للأبواب المقفولة.
إنتِ جلاية صحون، قال.
وأنا كمان الشخص الوحيد في المبنى ده اللي عارف ليه شفايفه اتخدرت قبل ما يقع.
عينيه ضاقت.
شورت على عز الدين. اسأله.
الراجل الكبير وطى عليه. يا زعيم؟
عينين عز الدين اتحركت ناحيتي. حتى وهو بيقع، كانوا ثابتين.
شفايفك، قلت. مخدرة؟
آه، رد بصوت مبحوح.
أطراف صوابعك بتنمل؟
إيده اليمين اتحركت ببطء.. بطء شديد.
آه.
الراجل الكبير بص لي تاني.
قربت أكتر، فالسلاح مشي ورايا.
قول لراجل ده ينزل سلاحه، قلت. يا إما تضربوني بالنار وتطلبوا إسعاف، واللي هيتعاملوا مع الحالة كأنها أزمة قلبية ويخلصوا عليه أسرع.
وش الراجل الكبير اتشنج.
عز الدين بلع ريقه، صوته كان ضعيف، بس السيطرة لسه فيه.
يا عاصم.
الراجل اللي ماسك السلاح اتجمد.
نزله.
يا زعيم...
دلوقتي.
السلاح نزل.
ركعت جنب عز الدين القناوي.
الأرض كانت ساقعة تحت بنطلوني. لاحظت ده لأن الجسم بيلاحظ حاجات تافهة في حالات الطوارئ. النقوش الدهبي على الصيني. لهب الشمعة اللي بيتهز في حاملها القزاز. ريحة التوم المحمص والنبيذ الغالي. خط النبيذ الأحمر اللي اتكب جنب إيد عز الدين الشمال.
ده إيه؟ سأل الراجل الكبير.
أكونيتين Aconitine، قلت.
ما حدش اتحرك.
ده بيجي من نبات الأكونيت Monkshood، أو خناق الذئب لو تحب الاسم الدرامي. بيأثر على قنوات الصوديوم في القلب. أول حاجة الخدر، بعدين الضعف، بعدين