بقيت أب لعشرة عيال… مش ولادي
الحقيقة المُرعبة
مريم بدأت تعيط وقالت: "ماما ما كانتش بتخلف يا بابا.. العيال دول هي اللي لمتهم. واحد من قدام جامع، وواحد من ملجأ اتحرق، وواحد من الشارع. هي كانت فاكرة إنها بتبني جيش من الناس اللي مالهمش حد عشان يحموها.. بس من مين؟"
وفجأة، الباب الخارجي للشقة اتفتح ببطء.. صوت خطوات رزينة.
لفيت بضهري، ولقيت ست واقفة في الضلمة، لابسة أسود، ملامحها قاسية، بس فيها شبه غريب من كاميليا.. كانت "أختها" اللي كاميليا قالتلي إنها ماتت من سنين.
الست قالت ببرود: "كاميليا ما سابتكش بمزاجها يا عمر.. كاميليا كانت بتهرب من 'الماضي' اللي إنت جزء منه وإنت مش عارف. العيال العشرة دول هما ولاد 'الضحايا' اللي أهلك زمان دمروا حياتهم في تجارة الأراضي في الصعيد.. كاميليا كانت بتحاول تكفر عن ذنب عيلتك، واليوم اللي اختفت فيه، كان اليوم اللي 'الماضي' قرر يسترد دينه."
النهاية الصادمة
الست كملت وهي بتبص لمريم: "مريم مش بنتها يا عمر.. مريم تبقى بنتي أنا. وكاميليا ما ماتتش.. كاميليا محبوسة في مكان قريب جداً من هنا، مكان إنت بتعدي عليه كل يوم وإنت رايح شغلك، بس عمرك ما فكرت تدخل فيه."
مريم مسكت إيدي وقالتلي وهي بتترعش: "بابا.. الست دي كدابة.. أنا شوفت ماما وهي بترمى نفسها، بس ما رمتش نفسها في النيل.. هي دخلت 'السرداب' اللي تحت العمارة دي.. السرداب اللي ملوش آخر."
لقيت نفسي
نزلت السرداب بقلب ميت، وورايا مريم والست الغريبة.. وفي نهاية الممر المظلم، لقيت أوضة منورة بشمع.. وفي نص الأوضة، كانت كاميليا قاعدة، بس مش كاميليا اللي أعرفها.. كانت ست عجوزة، وشها كله تجاعيد، وماسكة في إيدها صورة ليّ وللعيال العشرة، وبتردد: "عمر هييجي.. عمر ما بيسيبش حد."
كاميليا بصتلي صرخت: "ليه جبتهم هنا يا عمر؟ هما كانوا عايزينك إنت.. العيال دول هما اللي هيقتلوك!"
وفجأة.. لقيت باب السرداب بيتقفل علينا من بره.. وبصيت من الفتحة الصغيرة، لقيت "أكبر" العيال اللي ربيتهم، اللي عنده دلوقتي 18 سنة، واقف بره وماسك في إيده "نار".. وبصلي ببرود وقال: "شكراً يا بابا إنك ربيتنا.. بس الحساب لازم يتصفى."
النار بدأت تمسك في الخشب القديم بره السرداب، والدخان بدأ يتسحب لجوه. بصيت لـ "ياسين"، الكبير اللي ربيته وشيلته على كتفي، كنت مستني أشوف في عينه ذرة تردد، بس عينه كانت ميتة.
الست الغريبة ضحكت بمرارة وقالت: "فات الأوان يا عمر.. هما عرفوا الحقيقة قبلك بكتير."
كاميليا قامت من مكانها، كانت بتترعش، مسكت إيدي بقوة وقالت بصوت مبحوح: "مريم هي اللي قالتلهم.. مريم هي اللي جمعتهم عليا
لفيت لمريم بصدمة.. البنت الهادية، سندي، اللي شالت معايا الحمل.. مريم كانت واقفة بعيد عننا، قريبة من الباب اللي بيتحرق، وبصتلي بنظرة عمري ما هنسى قسوتها.. وقالت:
"أنا ما نستش يا بابا.. أنا فاكرة كل حاجة. فاكرة لما أهلك طردوا أبويا من أرضه وسابوه يموت من القهر. وفاكرة لما كاميليا خدتني عشان تداري جريمة عيلتها وتمثل دور الضحية. إنت كنت 'السبوبة' يا عمر.. كنت الشخص اللي هيصرف علينا ويحمينا لحد ما نكبر ونعرف ناخد حقنا."
النار بدأت تقرب، والست الغريبة (أخت كاميليا) طلعت مسدس من هدومها، بس ما وجهتوش ليّ.. وجهته لكاميليا.
"انتهى الدور يا كاميليا.. اللعبة اللي بدأتيها عشان تحمي نفسك من انتقامنا خلصت."
في اللحظة دي، السقف الخشبي للسرداب بدأ ينهار. مريم خرجت من الفتحة الأخيرة قبل ما تتقفل تماماً بالرمل والنار، وسابتنا جوه.
المواجهة الأخيرة:
بصيت لكاميليا اللي كانت بتبكي تحت رجلي، وبصيت للست اللي ماسكة المسدس. مديت إيدي وخدت المسدس من الست بجمود، الست استسلمت كأنها كانت مستنية اللحظة دي.
كاميليا قالتلي: "اقتلني يا عمر.. أنا استاهل."
بصيت لصورة العيال اللي كانت في إيدها، وصورتي معاهم. افتكرت السبع سنين، السهر، التعب، ضحكهم في البيت.. كل ده كان كدب؟
قلت لها بصوت هادي ومرعب: "الموت راحة يا كاميليا.. وإحنا مش هنرتاح."
رميت المسدس في النار اللي بدأت
النهاية:
خرجنا من وسط المجاري، ريحتنا طين ودم، في نص شارع شبرا في عز الفجر. الناس بدأت تتلم على الحريق اللي في العمارة المهجورة.
وقفت بعيد، متبهدل، ومعايا الستات الاتنين اللي دمروا حياتي.
شفت من بعيد "ياسين" وباقي العيال واقفين قدام العمارة وهما بيفتكرو إننا اتقفل علينا جوه.. مريم كانت بتبكي، بس المرة دي كانت بتبكي "بجد".. يمكن ندمت، أو يمكن كانت بتبكي على طفولتها اللي ضاعت في خطة انتقام.
ما رحتش ليهم.. ولا بلغت البوليس.
سحبت كاميليا وأختها لتاكسي كان معدي، وركبنا.
السواق سألني: "على فين يا أستاذ؟"
بصيت لـ "كاميليا" اللي كانت مذهولة إني لسه بحميها، وبصيت في المراية لملامحي اللي كبرت 20 سنة في ليلة واحدة، وقلت له كلمة واحدة:
"على الصعيد.. رايحين نرجع الأرض لأصحابها."
الخاتمة:
عمر ما قتلش العيال، ولا انتقم من مريم. هو قرر ينهي الدايرة. ساب ليهم الشقة والفلوس اللي حوشها، واختفى هو وكاميليا في مكان مجهول في الجبل.. بيعيشوا هناك كأغراب، يدفعوا تمن ذنوب ما ارتكبوهاش، في انتظار يوم الحساب الحقيقي.
العيال كبروا وهما فاكرين إن "عمر" مات بطل.. ومريم فضلت
تمت.