بقيت أب لعشرة عيال… مش ولادي
أنا دلوقتي عندي 44 سنة…
ومن 7 سنين، بقيت أب لعشرة عيال… مش ولادي.
"كاميليا" ما كانتش مجرد حبيبتي…
دي كانت خطيبتي… وكانت هتبقى مراتي.
كنا بنجهز للفرح في شقتنا في شبرا…
والبيت كان دايمًا زحمة وضحك وصريخ عيال… أصغرهم عنده سنتين، وأكبرهم 11 سنة.
والمفاجأة؟
أنا اخترت الحياة دي بإرادتي… بكل دوشتها وتعبها.
بس في ليلة… كل حاجة انتهت.
الليلة اللي اختفت فيها كاميليا…
كانت بنتها الكبيرة "مريم" معاها في العربية.
مريم كان عندها 11 سنة وقتها.
الشرطة لقت العربية مركونة على كورنيش النيل…
باب السواق مفتوح… شنطة كاميليا جوه… وشالها متساب على السور.
دوروا عليها أيام…
نزلوا النيل… سألوا… فتشوا…
بس مالقوش أي أثر.
ولا جثة… ولا دليل.
مريم اتلاقت بعدها بساعات…
ماشية لوحدها في الشارع… حافية… مرعوبة… وبتترعش.
ما كانتش بتتكلم
فضلت أسابيع كده…
ولما أخيرًا نطقت… قالت جملة واحدة وفضلت تكررها:
"أنا مش فاكرة…"
ومحدش ضغط عليها.
اضطرينا نعمل عزاء لكاميليا… من غير جثة.
وبعد شهور… وقفت قدام المحكمة في العباسية…
وحاربت عشان أخد حضانة العيال.
ناس كتير قالوا إني مجنون…
ويمكن كانوا صح.
بس أنا ماقدرتش أسيبهم يخسروا كل حاجة.
عدى 7 سنين…
وأصغر واحد فيهم لسه بيسأل عليها…
ولسه بيصحى بالليل عايزها.
اتعلمت كل حاجة…
أسرّح شعر البنات… أعمل أكل لعشرة… وأصحى على كوابيسهم الساعة 3 الفجر.
أنا ماكنتش بديل لأمهم…
أنا بس… ما سبتهمش.
مريم كبرت بسرعة…
أسرع بكتير من أي بنت في سنها.
بقت سندي…
وشالت مسؤولية إخواتها… ونسيت طفولتها.
كنت فاكر إنها اتعافت…
كنت فاكر إننا كلنا نسينا.
لحد الأسبوع اللي فات…
جت وقفت قدامي.
هادية… ثابتة…
مش نفس البنت الصغيرة.
وقالتلي:
"
سيبت كل حاجة في إيدي.
"في إيه يا مريم؟"
بصتلي في عيني… وقالت:
"الكلام ده عن ماما."
قلبي اتقبض.
"مالها؟"
خدت نفس طويل…
وصوتها كان بيتهز:
"بابا…"
وسكتت لحظة…
وبعدين قالت:
"أنا أخيرًا… جاهزة أقولك الحقيقة اللي حصلت الليلة دي."
الدنيا سكتت حواليا…
إيدي بردت…
"حقيقة إيه؟"
بصتلي مباشرة…
والكلام اللي قالته بعدها…
خلاني مش قادر حتى… آخد نفسي.
مريم بصت للأرض، وبعدين رفعت عينها وقالت بصوت همس: "ماما ما وقعتش في النيل يا بابا.. ماما هي اللي نزلت من العربية وسابتني، بس ما كانتش بتهرب من حد.. هي كانت بتهرب مع حد."
نزل الكلمة عليا كان أصعب من خبر اختفائها نفسه. سبع سنين وأنا حابس نفسي في سجن الذكريات، وفي الآخر تطلع مريم عارفة إنها سابتنا؟
قلت بصوت مخنوق: "بتقولي إيه يا مريم؟ إنتي كنتي طفلة.
مريم قربت مني وطلعت من جيبها مفتاح قديم مربوط بخيط أسود، وقالت: "المفتاح ده كان في جيب الشال اللي لقوه على السور.. أنا اللي خدته قبل ما البوليس يوصل. ماما قالتلي وقتها: (لو يوم احتجتي تعرفي أنا فين، المفتاح ده هيفتح الصندوق اللي تحت بلاطة الحمام القديم في شقة شبرا). وقالتلي كمان: (أوعي تقولي لـ "عمر" أي حاجة.. هو مش هيستحمل)."
الرحلة لشقة شبرا: مواجهة الماضي
ما كذبتش خبر، أخدت مريم ورحنا شقة شبرا اللي كانت المفروض تبقى عشنا.. الشقة مهجورة، ترابها تقيل كأنه شايل سنين من الوجع. دخلنا الحمام، كسرت البلاطة اللي مريم شاورت عليها، ولقيت صندوق معدن مصدي.
فتحت الصندوق.. ما لقتش فيه رسائل حب ولا فلوس. لقيت "شهادات ميلاد".. عشر شهادات ميلاد لعيال مش ولادي، بس الصدمة إن الخانة بتاعة