حماتي كبت كل الاكل
حماتي كبّت كل الاكل اللي أنا عاملاه في التواليت، وقالتلي بمنتهى البرود
طول ما أنا في البيت ده، أنا اللي هقرر ابني ياكل إيه!
ولما جوزي رجع من الشغل، صدّق كلامها من غير ما يسمعني، ومسك دراعي بعنف.
بعد سبع سنين جواز، ماجادلتش ولا حتى عيطت.
بصيت على باب الشقة وقلتله
طالما هي اللي هتقرر إحنا ناكل إيه يبقى أنا كمان هقرر إحنا هنعيش فين.
إنتِ بترمي الأكل اللي أنا طبخته في التواليت؟! إنتِ اتجننتي يا حماتي؟!
صوتي دوّى في الشقة كلها.
حماتي، الحاجة عزيزة، ماحطتش حتى عينها في عيني.
كانت واقفة قدام الحمام، ماسكة الحلة الكبيرة اللي فيها حوالي خمس لتر محشي ومرقة، وبتكب الأكل كله في التواليت بمنتهى الهدوء.
الرز والصلصة واللحمة كانوا بينزلوا قدامي في البالوعة، وأنا حاسة إن دمي بيغلي.
قالتلي وهي بتغسل إيديها كأنها خلصت مهمة عادية
بطلي دوشة بقى. أنا بحمي ابني من الأكل اللي هيبوّظ معدته.
إيدي بدأت تتنفض من كتر الغيظ.
أنا كنت واقفة من الصبح في المطبخ.
اشتريت اللحمة بنفسي، ونضفتها، وحضّرت الخلطة، وقعدت بالساعات واقفة على رجلي عشان أعمل الأكل اللي جوزي بيحبه.
كنت مستنياه يرجع من الشغل عشان نتعشى سوا.
لكن حماتي شايفة إن كل ده اسمه أكل مضر.
بصيت للحلة الفاضية وقلت
حضرتك عارفة أنا صرفت كام على الأكل ده؟
ضحكت باستخفاف.
الفلوس بتتعوض يا بنتي، إنما صحة ابني لأ. مش شايفة كمية السمنة والزيت اللي حطاهم؟! ده ابني معدته حساسة من زمان، وإنتِ من ساعة ما اتجوزتيه وإنتِ مش همك غير الأكل اللي نفسك فيه.
سكت لحظة، وبعدين كملت
أنا عملتله شوربة وخضار مسلوق. أكل نضيف ومحترم.
بصيت على الطبق اللي حطته على السفرة.
كان عبارة عن شوية خضار مسلوقين من غير ملح تقريبًا.
قالت وهي بتبصلي من فوق لتحت
وبعدين إنتِ كمان محتاجة تخففي أكل شوية.
اتجمدت مكاني.
بصيتلها من غير ما أرد.
هي بقالها شهر كامل عايشة معانا.
قالت في الأول إنها هتقعد كام يوم بس، لحد ما الشقة بتاعتها تخلص فيها شوية تصليحات.
لكن الشهر عدى، وهي بدأت تتصرف كأنها صاحبة البيت.
غيرت أماكن الحلل والأطباق.
رمت علب في المطبخ وقالت إنها ملهاش لازمة.
فتحت التلاجة كل يوم وفضلت تعلق على كل حاجة فيها.
دخلت في لبسي.
دخلت في طريقة تربيتي.
والأغرب من ده كله إنها بقت هي اللي تحدد جوزي ياكل إيه وماياكلش إيه.
بصيت ناحية الزبالة.
وفجأة عيني وقعت على حاجة خلتني مش مصدقة.
كل علب البهارات بتاعتي كانت مرمية جوه.
الفلفل الأسود.
الكمون.
الكركم.
الشطة.
الزعتر.
حتى الخلطة اللي بعملها للطبخ من سنين.
طلعت واحدة منهم ورفعتها قدامها.
وإيه ده كمان؟
قالت بكل برود
رميتهم.
ليه؟!
عشان كلها حاجات ملهاش لازمة. الأكل الصح ملح بس. هو إحنا كنا بناكل بالبهارات زمان؟
أخدت نفس طويل.
كنت خلاص على آخري.
دخلت المطبخ، لقيت حلة صغيرة على النار فيها الشوربة والخضار اللي عملتهم لجوزي.
مسكت الحلة من إيدها.
حماتي انتفضت
إنتِ بتعملي إيه؟!
قلت بهدوء
برمي الأكل ده زي ما حضرتك رميتي أكلي.
جريت وقفت قدام الحوض.
إوعي ترميه!
بصيتلها لأول مرة بثبات وقلت
ليه؟ ما إنتِ طول ما إنتِ هنا بتقرري ابني ياكل إيه، وأنا بقى هقرر أنا آكل إيه في بيتي.
شهقت وقالت
بيتك؟!
أيوه، بيتي.
إنتِ نسيتي نفسك ولا إيه؟! ده ابني!
رديت عليها من غير ما أعلي صوتي
وأنا مراته.
قربت مني وقالت بعصبية
طول ما أنا موجودة هنا، أنا اللي هطبخ لابني، وأنا اللي هقرر ياكل إيه!
بصيتلها وقلت
المشكلة إن حضرتك نسيتي إن البيت ده بيتي أنا وجوزي، مش بيت حضرتك.
وقبل ما تكمل كلامها
سمعت صوت مفتاح جوزي في باب الشقة.
حماتي اتغيرت في ثانية.
نبرة صوتها اختفت.
ملامحها اتبدلت.
وفجأة حطت إيدها على صدرها، وبدأت تتنفس بسرعة، وسندت نفسها على الحيطة.
الباب اتفتح.
دخل جوزي، أحمد.
أول ما شاف أمه واقفة بالشكل ده، جري عليها.
مالك يا أمي؟!
بصتله وهي عاملة نفسها بتترعش.
وأشارت ناحيتي.
مراتك زقتني يا أحمد كانت هتقعني على الأرض!
بص أحمد عليّ.
وبعدين بص على أمه.
وبعدين شاف الحلة اللي في إيدي.
ما سألنيش حصل إيه.
ماقالش حتى
إنتِ عملتي كده ليه؟
دخل عليّ بعصبية، ومسك دراعي جامد لدرجة إني حسيت صوابعه غرست في جلدي.
إنتِ اتجننتي؟! إزاي تمدي إيدك على أمي؟!
بصيت في عينيه.
ماعرفتش أرد من الصدمة.
مش عشان مسكني بس
لكن عشان دي كانت أول مرة في سبع سنين جواز أشوفه بيحكم عليّ من غير ما يسمعني حتى.
حاولت أسحب دراعي من إيده وقلت
أحمد سيب إيدي الأول، واسمعني.
لكنه شد أكتر وقال
أسمع إيه؟! أمي بتقول إنك زقيتيها!
في اللحظة دي فهمت حاجة واحدة.
المشكلة عمرها ما كانت الأكل.
ولا الحلة.
ولا حتى البهارات.
المشكلة الحقيقية إن حماتي كانت بتختبر لحد فين تقدر تتحكم في بيتنا
وجوزي، من غير ما يحس، كان بيديها كل مرة المساحة اللي هي محتاجاها.
لكن اللي محدش فيهم كان يعرفه
إن اللي حصل النهارده كان آخر مرة أسمح فيها لحد يتحكم في حياتي.
بصيت ناحية باب الشقة
وبعدين بصيت لجوزي وقلت بمنتهى الهدوء
خلاص يا أحمد طالما هي اللي هتقرر إحنا ناكل إيه، يبقى أنا كمان هقرر إحنا هنعيش فين.
ساعتها وش أحمد اتغير.
أما حماتي
فأول مرة من ساعة ما دخلت بيتنا، شفت الخوف الحقيقي في عينيها.
بصيت لأحمد، وفضلت ساكتة كام ثانية.
هو نفسه كان مستني إني أعيط.
أصرخ.
أطلب منه يسامحني.
أو حتى أبرر لنفسي.
لكن أنا عملت حاجة خلت حماتي تسكت تمامًا.
طلعت موبايلي من جيبي.
فتحت تسجيل صوتي كنت شغلته قبل ما أحمد يدخل بدقايق.
وقلت
قبل ما تحكم عليّ تاني اسمع.
ضغطت تشغيل.
وصوت حماتي ملأ الصالة
إنتِ فاكرة نفسك هتفضلي صاحبة البيت؟ ابني ابني، وأنا اللي أعرف مصلحته أكتر منك.
وبعدها صوتي
طب ليه رميتي الأكل؟
وصوتها بمنتهى الثقة
عشان أعلمك حدودك.
أحمد فضل واقف مكانه.
بص لأمه.
ماما إيه ده؟
حماتي اتلخبطت.
أنا أنا كنت متعصبة بس.
شغلت الجزء اللي بعده.
صوتها كان واضح
لو ابني وقف في صفك، أنا هخليه يختار بيني وبينك.
الصمت نزل على الشقة.
أحمد بصلي.
وبعدين بص لأمه.
إنتِ قلتي كده؟
قالت بسرعة
كنت بتكلم وخلاص! ما ينفعش تاخد كلامي على محمل الجد.
ضحكت ضحكة قصيرة من غير فرحة.
وقلت
بس أنا أخدته على محمل الجد.
وبعدين فتحت موبايلي على حاجة تانية.
صورة.
ثم صورة تانية.
ثم تالتة.
صور للبهارات اللي اترمت.
صور للأكل اللي اتكب.
صور للعلب اللي اتكسرت.
وصورة لدرعي بعد ما أحمد مسكني.
أحمد شاف العلامات الحمرا على إيدي.
وشه اتغير.
قال بصوت أوطى
أنا وجعتك؟
رديت
أيوه.
سكت.
ولأول مرة، ماعرفش يقول لأمه أي حاجة.
لكن حماتي ما سكتتش.
قالت
يعني إيه؟ هي بتصور نفسها عشان تطلعني وحشة؟!
رديت عليها
لا يا حاجة عزيزة أنا كنت بصور عشان لو اضطريت أشرح اللي حصل، أبقى أتكلم بالدليل.
قالت بعصبية
وإنتِ ناوية تعملي إيه يعني؟
بصيتلها.
همشي.
أحمد انتفض
تمشي فين؟
مش أنا اللي همشي.
سكت لحظة.
وبعدين قلت
إحنا الاتنين هنمشي.
حماتي شهقت
إنتِ هتخرجي ابني من بيته؟!
بصيت لأحمد
البيت ده أنا وإنت دفعنا تمنه سوا. وإنت بنفسك قلتلي قبل الجواز إن محدش هيقدر يفرض علينا طريقة حياتنا.
وبعدين بصيت لأمه
حضرتك عندك بيتك. واحنا عندنا بيتنا.
حماتي بدأت ترفع صوتها
يعني هترميني في الشارع؟!
أحمد لأول مرة رد عليها
محدش قال كده يا أمي.
قالتها بسرعة
أمال هي بتقول إيه؟
أحمد سكت.
وأنا قلت
أنا مش هطلب منك تختار بيني وبين أمك.
بصلي باستغراب.
كملت
أنا هطلب منك تختار بين الصح