وانا لسه
وأنا لسه خارجة من عملية قيصرية طارئة، وألم الجرح مخليني مش قادرة حتى ألف على جنبي، أمي وأختي دخلوا عليّا أوضة المستشفى
مش عشان يشوفوا بنتي اللي لسه مولودة.
ولا حتى عشان يطمنوا عليّا ويسألوني إنتِ كويسة؟
لأ
دخلوا عشان يطلبوا مني كارت البنك بتاعي، عشان أختي كانت عايزة تعمل حفلة عيد ميلاد بتكلفة قربت من أربعة مليون جنيه!
كنت فاكرة إن دي أقصى درجة ممكن يوصلوا لها من قلة الرحمة.
طلعت غلطانة.
لأن قبل ما الزيارة دي تخلص، أختي هتهجم عليّا، وأمي هتمد إيدها على بنتي المولودة من أقل من يوم
وأنا هصرخ بكل صوتي
أمن المستشفى! حد يجيب الأمن حالًا!
بس لا أنا، ولا أختي، ولا أمي
كنا مستعدين للي هيخش من باب الأوضة بعدها.
جوزي كان لسه خارج من الأوضة من أقل من ساعة، عشان يروح يجيب شنطة هدومنا اللي سبناها عند باب البيت، لما باب أوضتي اتفتح من غير حتى ما حد يخبط.
أمي دخلت.
أول حاجة لفتت نظري إنها كانت جاية من غير ورد.
يمكن أي حد تاني يشوف الموضوع ده تفصيلة تافهة، خصوصًا وسط اللي حصل بعد كده
بس أنا عارفة أمي كويس.
اسمها سهير.
وأمي عمرها ما كانت بتظهر قدام الناس من غير ما تكون عاملة حساب للشكل والمنظر.
في العزا، لازم تدخل شايلة ورد.
في السبوع أو حفلة البيبي، لازم تيجي بسلة هدايا متزوقة ومليانة حاجات شكلها غالي.
ولو عايزة الناس تقول عليها ست جدعة وبتحب أهلها، تلاقيها داخلة شايلة علب حلويات متربطة بشرايط، كأنها رايحة تكرّم حد من العيلة.
لكن يوم ما جت المستشفى عشان تشوف أول حفيدة ليها؟
ولا وردة.
ولا حتى علبة شوكولاتة.
بس شنطتها في إيدها
ووشها متكشر بطريقة خلتني أعرف من أول لحظة إن في مصيبة.
وأختي الصغيرة نور دخلت وراها على طول.
بصتلي وأنا نايمة على سرير المستشفى، وبصوت كله ضيق قالت
إنتِ بتهزري يا داليا؟
بس كده.
لا مبروك.
ولا حمد لله على سلامتك.
ولا حتى فين البيبي؟
فضلت أبصلهم وأنا مش مستوعبة.
وقعدت أسأل نفسي للحظة
هو أنا من كتر المسكنات بقيت بتخيل حاجات؟
بنتي ليان كانت نايمة بهدوء على صدري.
لسه مولودة من أقل من أربع وعشرين ساعة.
أقل من يوم واحد
وأنا أصلًا لحد دلوقتي مش مصدقة إنها بقت حقيقة.
قبلها بساعات، كنت داخلة المستشفى وأنا فاكرة إني هولد طبيعي.
لكن الولادة اتعسرت، وبعد ما الساعات عدت والطلق زاد، نبض ليان فجأة اتغير.
فاكرة كويس جدًا اللحظة اللي كل حاجة فيها اتقلبت.
من شوية كانت الممرضات بيتكلموا معايا بهدوء وبيشجعوني.
وفجأة
كل حاجة بقت سريعة.
الدكاترة بيتحركوا بسرعة.
الممرضات بيتكلموا بجُمل قصيرة.
والجو كله اتشد مرة واحدة.
وفي الآخر قالولي إن لازم أعمل قيصرية طارئة.
دلوقتي بطني كانت حاساها كأن حد خيط فيها سوستة حديد.
أي حركة كانت بتوجعني.
ألف على جنبي؟ وجع.
أقعد؟ وجع.
أضحك؟ وجع أضعاف.
حتى النفس العميق كان بيخليني أحس بشد جامد مكان الجرح.
وجوزي كريم كان خرج من المستشفى من شوية يجيب الشنطة اللي سبناها عند باب البيت.
لما الولادة بدأت، محدش فينا كان مركز في أي حاجة.
أنا أصلًا كنت في الشغل لما الطلق اشتد.
كريم وأنا عندنا محل دراي كلين صغير في دسوق، وكنت واقفة ورا الكاونتر بشرح لراجل كبير إن الزرار اللي ضاع من الجاكت مش مسؤوليتنا، وفجأة جالي تقلص وجعني بشكل خلاني أمسك في الترابيزة.
والأغرب؟
إني حتى وقتها قلت للراجل
معلش يا حاج
أيوه.
دي أنا.
طول عمري بعتذر.
بخاف أزعل حد.
بحاول أرضي الكل حتى لو على حساب نفسي.
بس وأنا باصة على ليان وهي نايمة فوق صدري
حسيت إن حاجة جوايا اتغيرت.
بنتي كانت ريحتها لسه ريحة بيبي جديدة صابون ولبن.
شعرها الأسود كان لازق على راسها، وإيدها الصغيرة كانت محطوطة تحت دقنها.
قبل ما أمي وأختي يدخلوا، كنت قضيت حوالي عشرين دقيقة ببص على ضوافرها الصغيرة.
أظافر صغيرة أوي
وكنت مش قادرة أفهم إزاي حاجة بالحجم ده قدرت تغيّر حياتي كلها في ليلة واحدة.
لحد ما صوت نور قطع اللحظة.
إنتِ عارفة أنا اتصلت بيكي كام مرة؟
بصيت ناحية الترابيزة اللي جنب السرير.
الموبايل مش موجود.
قلت لها
معرفش أنا كنت في المستشفى يا نور.
رفعت حواجبها وقلبت عينيها.
قلبت عينيها!
قدام واحدة والدة من أقل من يوم!
كانت لابسة بالطو كريمي شيك، وجزمة بكعب، والبرفان بتاعها مالي الأوضة لدرجة إني كنت حاسة بيه أكتر من ريحة المطهر.
وبكل برود قالت
القاعة عايزة العربون النهارده.
سكت.
وبصيت لها.
آه
هو ده السبب.
مش عشان ليان.
مش عشاني.
مش عشان يطمنوا على بنتهم وأختهم.
هما جايين عشان الفلوس.
من حوالي شهر ونص، نور أعلنت إن عيد ميلادها التلاتين مستحيل يعدي كده عادي.
قالتها بالنص
يعني إيه عيد ميلادي التلاتين أعمله عشا كده في مطعم؟ أنا مش ناقصة كآبة!
لأ.
نور كانت عايزة حفلة تتعمل عليها حفلة.
قاعة خاصة فوق فندق في القاهرة.
ديكور ورد كامل معمول مخصوص.
فوتوغرافر.
فيديو.
فرقة موسيقية.
ركن كوكتيلات.
حيطة حلويات.
هدايا للمدعوين.
وأربعين شخص بالاسم.
ولما ورّتني أول مرة الميزانية، كانت حوالي مليون ومتين ألف جنيه.
ضحكت.
مش عشان أستهزأ بيها.
أنا فعلًا افتكرتها بتهزر.
لكن نور ما ضحكتش.
بعدها الميزانية بقت مليونين.
وبعدين تلاتة.
وبعد شوية وصلت لحوالي أربعة مليون جنيه.
ودلوقتي أختي واقفة قدام سريري، فاتحة موبايلها وبتوريني الأرقام كأنها بتوريني فاتورة كهربا.
وقالت
لو ما دفعناش النهارده، القاعة هتدي المعاد لحد تاني.
بصيت لها وأنا مش مصدقة.
نور أنا ولدت امبارح.
قالت ببرود
عارفة.
طب يبقى الكلام ده يستنى.
مينفعش يستنى.
أمي أخيرًا اتكلمت
يا داليا، والنبي ما تعقديهاش.
غمضت عيني ثواني.
الجملة دي
أنا عارفاها.
ما تعقديهاش.
الجملة اللي أمي استخدمتها طول عمري عشان تخليني أسكت.
معناها الحقيقي كان دايمًا
ما تجادليش.
ما تعترضيش.
ما تقفيش