ارمي الزباله
لازم أعمله من زمان.
اتاخد محمود.
وبعد التحقيق، ثبت إن التوكيل مزور، وإن فيه محاولة لإتمام بيع البيت بمستندات غير صحيحة.
أما الشركة، فدخلت في إجراءات قانونية بسبب الديون والتحويلات.
لكن المفاجأة الأخيرة ظهرت بعدها بأيام.
المحامي اتصل بيا وقال
حسن، عندنا حاجة لازم تعرفها.
قلت
إيه؟
قال
عقد البيع اللي كان محمود بيجهزه... اتسجل إلكترونيًا في مرحلة تمهيدية قبل ما يتم البيع النهائي.
قلت
يعني البيت كان ممكن يضيع؟
قال
كان ممكن يدخل في نزاع طويل جدًا.
سكت.
ثم قال
بس فيه حاجة أنقذتك.
إيه؟
إنك كنت محتفظ بنسخة أصلية من العقد القديم، وفيها رقم تسجيل مختلف. التزوير اتكشف بسبب اختلاف رقم الصفحة وتاريخ الإصدار.
ابتسمت.
وقلت
يعني شغلي القديم أنقذ بيتي.
قال
بالضبط.
بعد شهور، القضية اتحولت لمحكمة.
محمود اتدان في قضايا التزوير والاحتيال ومحاولة التصرف في ملكية لا يملكها.
ونهى...
أنا ما رفعتش عليها قضية.
لكن عملت حاجة أصعب.
طلبت منها تسيب الشقة.
قالتلي
هروح فين؟
قلت
مش مشكلتي.
وبعدين سكت شوية.
وقلت
لكن ملك حفيدتي ملهاش ذنب.
أجّرت لها شقة صغيرة باسم ملك، وساعدت في مصاريف تعليمها.
أما نهى، فكان عليها تبدأ حياتها من جديد.
لوحدها.
من غير محمود.
ومن غير فلوسي.
ومن غير ما تعتمد عليا.
بعد سنة تقريبًا، كنت واقف قدام بيتي في رأس البر.
غيرت الأقفال.
وبعت العربية اللي كان محمود بيستخدمها.
والأهم...
رجعت عشت في بيتي.
اشتريت كرسي جديد للصالة.
وحطيت صورة فاطمة قدامي.
وفي يوم جمعة، جت ملك تزورني.
دخلت وهي بتجري عليا.
جدو!
حضنتها.
وقالت
ماما بتقول إنك لسه زعلان منها.
بصيتلها وابتسمت.
أنا مش زعلان يا ملك.
أمال إيه؟
بصيت لصورة فاطمة.
وقلت
بس اتعلمت إن الحب من غير حدود ساعات بيخلي الواحد يسمح للناس تأذيه.
ملك سكتت.
وبعدين قالت
بابا كان بيقول إن البيت بتاعه.
ضحكت.
وقلت
البيت يا حبيبتي مش بتاع اللي صوته أعلى.
البيت بتاع صاحبه.
وفي اللحظة دي، افتكرت اللي حصل يوم الزبالة.
افتكرت محمود وهو بيزق الكيس ناحية رجلي.
وافتكرت الشنطة الجلد اللي حطيتها جنب صندوق الزبالة.
وقتها كنت فاكر إني برمي مجرد شنطة.
لكن الحقيقة...
أنا كنت برمي آخر حاجة كانت رابطاني بحياة كنت فيها بقبل الإهانة عشان ما أخسرش عيلتي.
وبعدها فهمت حاجة أهم.
أنا ما كنتش ماليش لازمة.
أنا كنت الراجل اللي قضى أربعين سنة يبني كباري وبيوت.
لكن أصعب بيت بنيته في حياتي...
كان البيت اللي بنيته لنفسي بعد ما عرفت قيمتي.
أما نهى، فبعد فترة طويلة بدأت تزورني.
في البداية كنت بخليها تقعد على الباب.
بعد شهور، دخلتها الصالة.
وبعد سنة، في يوم عيد ميلادي، جابتلي هدية صغيرة.
فتحتها.
كانت صورة قديمة ليا أنا وفاطمة ونهى وهي طفلة.
وراء الصورة كتبت
آسفة يا بابا... اتأخرت عشان أفهم إن اللي بيحبنا بجد مش لازم نستخدمه عشان نعيش.
قريت الجملة أكتر من مرة.
وبعدين بصيتلها.
قلت
أنا ممكن أسامحك.
دموعها نزلت.
كملت
لكن الثقة مش بترجع بكلمة. الثقة بتتبني.
هزت راسها.
وأنا مستعدة أبنيها من الأول.
ابتسمت.
وقلت
يبقى ابدئي.
وفي نفس الليلة، وقفت في البلكونة.
صوت البحر قدامي.
والبيت هادي.
ولأول مرة من سنين، ما كانش عندي خوف من بكرة.
لأنني أخيرًا فهمت إن خسارة ناس استغلونا...
مش دايمًا خسارة.
أحيانًا بتكون النجاة نفسها.
وأنا يوم ما مسكت كيس الزبالة وشنطة محمود...
ما كنتش متخيل إن كيس الزبالة هو اللي هيطلعني من حياة كاملة كنت عايش فيها وأنا مش واخد بالي إني مظلوم.
وإن الشنطة اللي رميتها جنب الزبالة...
هي اللي هتكشف الورق اللي كان ممكن يضيع بيتي.
ومن يومها، كل ما حد يسألني
إيه أكتر قرار غيّر حياتك؟
بقول له
إني في يوم اتشتمت قدام بنتي وحفيدتي... وما اتخانقتش.
لأن أحيانًا...
أهدى رد على الإهانة مش إنك تزعق.
أهدى رد...
إنك تمشي.
وتسيب الحقيقة هي اللي تتكلم.
والأهم من كل ده...
إنك ما تسمحش لحد يقنعك إن سنك، أو طيبتك، أو حبك لعيلتك...
معناه إنك مالكش لازمة.
لأن الإنسان ممكن يخسر فلوسه.
وممكن يخسر بيته.
وممكن حتى يخسر ناس كان فاكرهم أهله.
لكن طول ما هو لسه عارف قيمته...
يقدر يبني كل حاجة من جديد.