ارمي الزباله

لمحة نيوز

ارمي زبالة البيت يا اللي مالكش لازمة!
جوز بنتي قالها قدام بنتي وحفيدتي، وبعد تلات سنين وهو بيعاملني كأني شغال عنده.
ما اتخانقتش معاه.
نزلت بهدوء، مسكت كيس الزبالة من الأرض، وخدت معاه شنطته الجلد اللي كان سايبها على الكرسي، وفيها اللابتوب، وأوراق مهمة، ومفاتيح عربيته.
بعد نص ساعة بس، خرج يجري على الزبالة وهو بيزعق باسمي...
من غير ما يكون عنده أي فكرة إن اللي حصل ده هيخليني أكتشف هو كان ناوي يعمل إيه في بيتي أصلًا.
اسمي حسن عبد الرحمن، عندي تسعة وستين سنة.
قضيت حوالي أربعين سنة من عمري مهندس مدني. اشتغلت في مشاريع كبيرة، وأشرفت على كباري ومصانع وعمارات، وكنت عارف كويس إن غلطة صغيرة في الحساب ممكن تكلف ملايين.
كنت فاكر إن أصعب حاجة في حياتي خلصت لما طلعت معاش، وبعدها بسنة فقدت مراتي فاطمة.
كنت غلطان.
من تلات سنين، بنتي نهى فضلت تقنعني إني أسيب بيتي في البلد وأروح أعيش معاها هي وجوزها في القاهرة.
قالتلي وقتها
يا بابا، إنت هتفضل لوحدك في البيت الكبير ده ليه؟ تعالى اقعد معانا. تبقى جنبنا، وتشوف حفيدتك ملك، وإحنا كمان نبقى مطمنين عليك.
وافقت.
وافقت عشان وحشتني بنتي، وعشان كنت عايز أقرب من حفيدتي.
وفوق كل ده، بعد وفاة فاطمة، البيت اللي عشنا فيه سنين طويلة بقى ساكت بشكل يخنق.
في الأول، كنت بساعدهم بمزاجي.
أطبخ، أوصل ملك المدرسة، أجيب طلبات البيت، أعمل مشاوير، وأحل أي مشكلة تحصل.
لكن واحدة واحدة، الموضوع اتغير.
المساعدة بقت واجب.
والواجب بقى أوامر.
وبقيت من غير ما أحس، عامل عندهم من غير مرتب.
جوز بنتي، محمود، كان مدير مبيعات في شركة تكنولوجيا كبيرة. كان طول الوقت بيتكلم عن الشغل، والإنتاج، والناس اللي ملهاش لازمة.
وكان شايفني واحد منهم.
بالنسبة له، أنا راجل كبير قاعد في البيت، بياكل ويشرب ومش بيدفع إيجار.
يعني لازم أخدم.
حتى بيتي القديم اللي في رأس البر كان بيستعمله لما يحب.
كان ياخد أصحابه هناك، ويطلب مني أروح قبله بيوم، أنضف البيت، أظبط الجنينة، وأتأكد إن كل حاجة جاهزة.
ولا مرة حسسني إن ده بيتي.
كان بيتصرف كأنه هو صاحبه.
أما أنا، فكنت ساكت.
مش ضعف.
كنت بس مستني أشوف آخرهم فين.
وفي الليلة دي، كنت عامل فراخ في الفرن بالبطاطس، نفس الأكلة اللي كانت فاطمة بتحبها.
أول ما نهى دخلت المطبخ، ابتسمت وقالت
ياااه يا بابا... ريحة الأكل دي فكرتني بأيام زمان.
ابتسمتلها.
لكن محمود دخل بعدها بشوية، وكان باين عليه إنه متعصب.
فك الكرافتة، رماها على الكرسي، وبص للأكل بضيق.
إيه ده؟ فراخ وبطاطس تاني؟
نهى بصتله باستغراب.
مالها يا محمود؟ دي أكلة بابا، وهو اللي عاملها.
رد وهو متضايق
أنا بكرة عندي اجتماع مهم، وعايز أكون مركز. مش معقول كل يوم ناكل أكل تقيل بالشكل ده.
حاولت ما أعلقش.
لكن هو بصلي وقال
وبعدين يا عمي، إنت طول اليوم قاعد في البيت. يعني مش قادر حتى تعمل حاجة على مزاجنا؟
نهى اتدخلت
بابا من الضهر واقف في المطبخ عشان يعمل الأكل.
ضحك بسخرية.
ما هو عنده وقت. عايش هنا ببلاش، لا بيدفع إيجار ولا شايل مسؤولية. أقل حاجة يعمل اللي عليه.
سكت.
كنت واقف قدامه وببصله.
وفجأة عينه وقعت على كيس الزبالة اللي كان جنب باب المطبخ.
راح زقه برجله لحد ما وصل قدامي.
وقال بمنتهى الاستهانة
مفروض ترمي زبالة البيت يا اللي مالكش لازمة!
الكيس وقع عند رجلي.
البيت كله سكت.
نهى واطت عينيها.
وملك، اللي كانت قاعدة بتاكل، حطت المعلقة وبصتلي.
أنا ما اتعصبتش.
ما زعقتش.
حتى ما بصتش لمحمود.
انحنيت بهدوء، مسكت كيس الزبالة، واتجهت ناحية الباب.
محمود ابتسم ابتسامة انتصار.
كان فاكر إنه كسب جولة جديدة.
لكن وأنا خارج، عيني وقعت على شنطته الجلد.
كانت على الكرسي.
شنطة كان بيعتبرها أهم من أي حاجة.
مديت إيدي وخدتها.
كنت عارف كويس اللي جواها.
اللابتوب بتاعه.
ملفات وأوراق شغل.
ومفاتيح عربيته.
نزلت السلم وأنا ماسك كيس الزبالة في إيد، وشنطة محمود في الإيد التانية.
وصلت تحت.
رميت كيس الزبالة في الصندوق.
وبعدين حطيت شنطته الجلد جنب الصندوق، من غير ما ألمس اللي جواها.
ما فتحتهاش.
ما بوظتش حاجة.
ولا أخدت منها حاجة.
بس في اللحظة دي، حسيت إن الشنطة دي مكانها هناك.
جنب الزبالة.
زي بالظبط ما هو كان شايف إن مكاني بينهم.
مشيت بعدها من غير ما أرجع الشقة.
بعد حوالي عشرين دقيقة، موبايلي بدأ يرن.
الأولى كانت نهى.
وبعدها محمود.
سيبت التليفون شوية، وبعدين رديت.
أول ما فتحت، سمعت صوته بيزعق
إنت فين يا راجل؟! شنطتي فين؟!
قلتله بهدوء
ما إنت قلتلي أرمي الزبالة.
صرخ
زبالة إيه يا مجنون؟! دي شنطتي! جواها اللابتوب وأوراق الشغل والمفاتيح!
سكت شوية، وبعدين قلتله
غريبة... إنت شايف إن حاجتك مش زبالة. مع إنك بقالك تلات سنين بتعاملني كأني زبالة.
سكت.
لأول مرة، ما لقيش كلمة يرد بيها.
قفلت المكالمة.
بعد نص ساعة تقريبًا، محمود نزل جري على الشارع قدام العمارة.
كان بيدور وسط صناديق الزبالة وهو شبه فاقد عقله.
ولما لمح شنطته، جري عليها، مسكها، وبدأ يزعق
يا حسن! يا حسن! إنت فين؟!
بس أنا كنت خلاص ركبت عربيتي.
وكنت في طريقي لرأس البر.
من غير ما أعرف إن شنطة محمود ما كانتش أصلًا سبب خوفه الحقيقي.
اللي كان جواها كان مجرد طرف الخيط.
لأن اللي اكتشفته بعد كده خلاني أفهم إن محمود ما كانش بس بيهينني أو بيستغلني...
كان بيخطط لحاجة تخص بيتي نفسه.
وحينها، فهمت إن اللي حصل الليلة دي ما كانش غير بداية الحكاية.
والسر اللي هكتشفه بعدها...
هيخليني أندم إني وثقت في بنتي وجوزها كل السنين دي.
وصلت رأس البر قبل الفجر بشوية.
الطريق كان شبه فاضي، والجو فيه رطوبة البحر اللي كنت بحبها زمان.
ركنت العربية قدام البيت، ونزلت وأنا حاسس بحاجة غريبة.
يمكن لأول مرة من تلات سنين، وأنا بفتح باب بيتي، ما كنتش حاسس إني داخل مكان لازم أبرر وجودي فيه.
دخلت.
البيت كان زي ما هو.
نفس الترابيزة اللي أنا وفاطمة كنا بنقعد عليها.
نفس الصورة المعلقة في الصالة.
حتى الكرسي الهزاز اللي كانت بتحبه.
قعدت شوية، وبصيت لصورتها.
وقلت
سامحيني يا فاطمة... يمكن أنا غلطت لما افتكرت إن السكوت بيحافظ على العيلة.
ما نمتش.
فتحت الشباك على البحر، وقعدت أفكر في كلام محمود.
لكن حاجة واحدة ما كانتش مريحة.
ليه كان مرعوب بالشكل ده من الشنطة؟
اللابتوب والأوراق والمفاتيح، طبعًا حاجات مهمة.
لكن صوته ما كانش صوت واحد خايف على شغله.
كان صوت واحد خايف من إن حاجة معينة تقع في إيد حد.
وفي الصبح، وأنا داخل أوضة المكتب القديمة، لقيت ظرف بني على المكتب.
وقفت مكاني.
أنا متأكد إن الظرف ده ما كانش موجود قبل كده.
فتحته.
جواه صورة من عقد ملكية البيت.
وتحتها ورقة صغيرة مكتوب عليها بخط إيد
الأستاذ حسن، لو رجعت البيت لوحدك، كلمني فورًا.
وفي آخر الورقة رقم تليفون.
أنا ما اتصلتش.
بدل ما أتصل، فتحت درج المكتب.
لقيت كل أوراق البيت في مكانها.
لكن عقد الملكية الأصلي كان ناقص.
دورت مرة.
اتنين.
تلاتة.
مش موجود.
وقتها حسيت ببرودة في ضهري.
مش عشان العقد.
عشان أنا فاكر كويس جدًا إن قبل ما أروح القاهرة، كنت حاطط العقد الأصلي في خزنة صغيرة جوه المكتب.
فتحت الخزنة.
العقد مش موجود.
بس الغريب إن مفيش حاجة تانية ناقصة.
اتصلت بمحامي قديم ليا اسمه سامح.
كان صاحب عمري، ومن الناس القليلة اللي كنت بثق فيها.
قلتله
سامح، تعالى رأس البر النهارده.
سألني
في إيه يا حسن؟
قلت
أنا مش عايز أقولك في التليفون.
بعد ساعتين، كان عندي.
وأول ما شاف

تم نسخ الرابط