من تمنتاشر سنه
من تمنتاشر سنة، وأنا ماشي على البحر في إسكندرية، لقيت بنتين توأم لسه مولودين، ملفوفين في فوط بحر قديمة ومتسابين جوه أوضة تغيير هدوم مهجورة.
يوم ما كملوا تمنتاشر سنة، حطّوا نفس الفوط قدامي على السفرة، وبصوا لي وهم بيترعشوا وقالوا:
"يا بابا... لازم تعرف الحقيقة."
قبلها بتمنتاشر سنة، كنت دفنت مراتي "سارة".
كانت في آخر الشهر التاسع، ولسه فاضل كام يوم وتولد بنتنا.
لكن حادثة خطفت الاتنين في لحظة.
عمري ما هنسى وأنا واقف لوحدي في أوضة البيبي اللي قعدنا شهور نجهزها، والسرير الصغير واقف فاضي... ومستحيل طفلتي تنام فيه.
بعدها بأسابيع، بقيت مجرد جسد بيتحرك.
ما كنتش برد على حد.
ما كنتش باكل غير لو حد حط الأكل قدامي.
ولا كنت قادر حتى أقوم من السرير.
لحد ما صاحبي الوحيد "كريم" جه بيتي، رمى شنطة هدوم في العربية وقال لي:
"لو سبتك هنا يوم كمان... هتدفن نفسك بإيدك."
سافر بيا لإسكندرية.
قضينا اليوم كله ماشيين على البحر من غير ولا كلمة.
وقبل الغروب بشوية، سبت كريم ومشيت ناحية شوية كبائن تغيير هدوم قديمة مهجورة.
وفجأة...
سمعت صوت عياط خافت.
وبعدين صوت تاني.
قربت وفتحت ستارة واحدة من الكبائن.
واتصدمت.
اتنين بنات توأم لسه مولودين، نايمين على فوطة فوق الرمل.
واحدة ملفوفة في فوطة بيضا.
والتانية في فوطة بمبي فاتح.
والفوطتين عليهم رسومات مراكب صغيرة متطرزة على الأطراف.
لفيت حواليا.
مافيش حد.
لا أم.
لا شنطة.
لا ورقة.
ولا أي حاجة تفسر إيه اللي حصل.
الشرطة فضلت أسابيع تدور.
مالقوش أي بلاغ عن أم مفقودة.
ولا أي حد جه يدور على البنتين.
كل يوم كنت بروح المستشفى أطمن عليهم.
وفي يوم، الأخصائية الاجتماعية بصتلي وقالت:
"هو... فكرت تتبناهم؟"
بصيت في وشوشهم الصغيرة.
ولأول مرة من يوم ما خسرت سارة وبنتي...
حسيت إن فيه نور دخل قلبي.
حسيت إن لسه فيه سبب أكمل عشانه.
ومن يومها...
بقوا بناتي.
سميتهم "ملك" و"مريم".
اشتغلت شغلانتين عشان أوفر لهم حياة كويسة.
حرمت نفسي من حاجات كتير.
ما عرفتش يعني إجازة ولا رفاهية.
بس عمري ما ندمت.
ولو رجع بيا الزمن...
هختارهم ألف مرة.
الجمعة اللي فاتت احتفلنا بعيد ميلادهم الـ18.
لكن كان فيه حاجة غريبة.
بعد العشا، طلعوا أوضتهم سوا.
وبعد شوية نزلوا.
كل واحدة فيهم شايلة فوطة من الفوط القديمة اللي لقيتهم ملفوفين فيها.
حطوهم قدامي على السفرة.
ملك مسكت إيدي وقالت بصوت كله خوف:
"يا بابا... أوعى تزعل مننا بعد اللي هتشوفه."
أما مريم، فكانت دموعها نازلة من غير ما تعرف توقفها.
وقالت:
"إحنا مخبيين عنك سر... من زمان."
قلبي بدأ يدق بطريقة مرعبة.
مديت إيدي وفتحت أول فوطة.
وفجأة...
حاجة صغيرة وقعت منها على الترابيزة.
أول ما عيني وقعت عليها...
الدم انسحب من وشي كله...
وحسيت إن الدنيا كلها بتلف بيا.
الشيء الصغير اللي وقع من الفوطة... ماكانش لعبة أطفال.
ولا إسوارة.
كان دبلة خطوبتي.
نفس الدبلة اللي لبستها لسارة بإيدي قبل الحادث بسنة.
الدبلة اللي الشرطة قالت إنها اختفت بعد الحادث، وما اتلاقتش في العربية ولا في المستشفى.
إيدي بدأت ترتعش.
رفعتها وبصيت من جوه...
وكان منقوش فيها:
"سارة ♥ يوسف... للأبد."
وقعت مني على الترابيزة.
بصيت للبنتين، وأنا مش قادر أطلع كلمة.
قلت بصوت مخنوق:
— الدبلة دي... جات لكم منين؟
ملك مسحت دموعها وقالت:
— استنى... لسه فيه حاجة تانية.
قلبت الفوطة البيضا.
كان فيه خياطة قديمة جدًا على الطرف، كأن حد فتحها وقفّلها بإيده.
مريم جابت مقص صغير.
قصت الخياطة قدامي.
طلع منها ظرف بلاستيك صغير ضد الميه.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحه.
جواه...
صورة.
أنا وسارة.
الصورة اللي كانت في محفظتي يوم الحادث... واختفت بعدها.
ورا الصورة مكتوب بخط إيدها:
"لو حد لقى بناتي... بالله عليك ما تسيبهمش."
وقفت مكاني.
قلت بصوت عالي:
— مستحيل...
مستحيل...
أنا دفنت سارة.
أنا شفتها.
أنا حضرت الدفن.
إزاي يبقى عندهم الصورة دي؟
ملك قالت:
— فيه حاجة لازم تعرفها...
إحنا ما لقيناش الحاجات دي دلوقتي.
إحنا لقيناها من سنتين.
بصيت لها بصدمة.
— يعني إيه؟
قالت:
— لما كنا بننقل الدولاب، الفوطة اتقطعت بالغلط... والحاجات دي وقعت.
كنا صغيرين.
خفنا نقولك.
بس من وقتها... بدأنا ندور.
قلت بسرعة:
— تدوروا على إيه؟
قالت:
— على أمنا.
...
طلعت مريم ملف كبير.
فيه خرائط.
أسماء.
صور.
إيميلات.
وتذاكر سفر.
اتصدمت.
البنتين كانوا بيحققوا في قصتهم بقالهم سنتين كاملين... من غير ما أعرف.
قالت ملك:
— أول حاجة عملناها... رحنا القسم اللي كتب محضر العثور علينا.
طلبنا نسخة.
المحضر كان ناقص.
فيه صفحة كاملة مفقودة.
قلت:
— مفقودة إزاي؟
قالت:
— لأنها اتشالت.
وسكتت.
كملت:
— والضابط اللي كتب المحضر مات من خمس سنين.
أما العسكري اللي كان معاه...
لسه عايش.
ورحنا له.
قلبي كان هيقف.
— وقال لكم إيه؟
مريم ردت:
— أول ما شاف الفوط... وشه اصفر.
وقال جملة واحدة.
"أنا كنت عارف إن اليوم ده هييجي."
...
بعد أسبوع.
كنا قاعدين قدامه.
راجل عنده فوق السبعين.
كان بيبص في الأرض.