حبيت ابويا يعيش معايا

لمحة نيوز

أبويا اتعلم يعمل أكلات أمي من كشكول قديم كانت كاتبة فيه وصفاتها.
كل يوم كان يجرب أكلة جديدة.
ولو طلعت وحشة يضحك ويقول:
"واضح إن أمك كانت مخبية المقادير السرية."
وبدأنا نضحك تاني.
بعد شهور، رفعت قضية الطلاق.
وأحمد حاول يطولها بكل الطرق.
مرة يقول إني ناشز.
ومرة يقول إني طردته من بيته.
لكن المفاجأة كانت إن الشقة فعلًا كانت باسمي بالكامل، وكل المصاريف اللي كنت بدفعها كانت موثقة.
ولما القاضي سأله:
"هل صحيح إنك طلبت منها تختار بينك وبين والدها؟"
سكت.
لأن معايا تسجيل.
اليوم اللي وقف فيه وقال:
"يا أنا... يا أبوكي."
كان بيتسجل بالصدفة.
وشفت لأول مرة الخوف في عينه.
خرج من المحكمة وهو عارف إن كل اللعبة انتهت.
افتكرت إن دي نهاية القصة.
لكن بعد الطلاق بحوالي سنة...
حصلت حاجة عمرها ما جت في بالي.
أبويا وقع فجأة وهو بيسقي الزرع.
جريت عليه وأنا بصرخ.
والإسعاف خدته بسرعة.
قعدت قدام أوضة العمليات ساعات طويلة.
كل الذكريات كانت بتلف في دماغي.
أول يوم علمني أركب عجلة.
أول مرة مسكني من إيدي وأنا داخلة المدرسة.
يوم فرحي... لما استخبى علشان محدش يشوف دموعه.
كنت بقول لنفسي:
"يا رب... متحرمنيش منه."
خرج الدكتور أخيرًا.
ابتسم وقال:
"اطمني... أزمة وعدت على خير، لكن لازم يرتاح."
دخلت له.
لقيته أول ما شافني قال وهو بيضحك:
"النعناع مات؟"
رغم تعبه... أول حاجة فكر فيها كانت الزرع.
ضحكت وسط دموعي.
وقلت:
"لا... مستنيك."
رجع البيت بعدها بأيام.
والغريب إن العمارة كلها كانت مستنياه.
كل الجيران واقفين بالورد.
والأطفال اللي كان بيديهم شيكولاتة كل يوم عملوا له لافتة مكتوب عليها:
"حمد لله على السلامة يا جدو."
وقتها فهمت إن الإنسان الطيب بيسيب أثر حتى لو كان فاكر إنه تقيل على الناس.
مرت سنتان.
وفي يوم كنت برتب دولابه.
لقيت ظرف باسمي.
فتحته وأنا مستغربة.
كان مكتوب فيه بخطه المرتعش:
"لو بتقري الجواب ده... يبقى أنا غالبًا مش قادر أقولك الكلام ده بصوتي."
بدأت أقرأ ودموعي بتنزل.
"يا بنتي... أنا عمري ما خوفت من الموت. خوفي الوحيد كان أمشي وأنا حاسس إني حمل عليكي. لكن إنتِ خليتِ آخر أيام عمري أغلى من كل السنين اللي فاتت. لما اخترتيني... حسيت إن تعب العمر كله راح. أوعي في يوم تندمي إنك وقفتي جنبي. لأن البنت اللي تقف جنب أبوها وقت ضعفه... ربنا هيبعت لها ألف حد يقف جنبها وقت ضعفها."
ما قدرتش أكمل.
حضنت الجواب وبكيت.
رفعت عيني...
ولقيته واقف على باب الأوضة.
قال وهو يضحك:
"إيه؟ لسه مموتاني بدري؟ أنا كتبت الجواب احتياطي بس!"
جريت حضنته وأنا بضحك وبعيط في نفس الوقت.
ومن يومها، بقيت كل ما أشوفه قاعد في البلكونة، بكباية الشاي اللي كانت زمان بتبرد وهو لوحده...
أقعد جنبه.
وأشرب معاه.
وأفتكر إن أغلى قرار أخدته في حياتي... ما كانش قرار طلاق.
كان القرار اللي قلته من سنين:
"يلا يا بابا... تعالى تعيش معايا."
لأن البيوت مش بتتبني بالحيطان ولا بالأثاث.
البيوت بتتبني بالرحمة.
والراجل اللي يشوف أبوك عبئًا... هييجي يوم ويشوفك أنتِ عبئًا.
أما اللي يقدّر والديك، فهو الشخص اللي يستحق فعلًا يكمل معاك العمر.
وساعات ربنا ما بياخدش مننا شخص علشان يعاقبنا...
ساعات بيبعد شخص من حياتنا علشان ينقذ اللي باقي منها.
وأنا يوم خسرت زوج...
كسبت راحة عمر، وحافظت على أغلى إنسان في حياتي... أبويا. ❤️

تم نسخ الرابط