حبيت ابويا يعيش معايا
"جبت أبويا السبعيني يعيش معايا... وجوزي كان كل يوم يحسسه إنه تقيل على البيت 💔"
بعد وفاة أمي بكام شهر، أبويا بقى لوحده في شقته.
كان كل ما أكلمه يقول لي: "أنا بخير يا بنتي... متشغليش بالك."
بس أنا كنت عارفة إنه بيكدب عليا.
كل ما أروح له ألاقي نفس كباية الشاي باردة على السفرة، والتليفزيون شغال بصوت عالي من غير ما يكون بيتفرج عليه... مجرد بيكسر بيه سكات البيت.
في يوم قلت له من غير تفكير:
"يلا يا بابا... لم هدومك وتعالى تعيش معايا."
بصلي باستغراب وقال:
"متأكدة؟ مش عايز أبقى حمل عليكم."
حضنته وقلت:
"الحمل الحقيقي إني أسيبك لوحدك."
جوزي، أحمد، ساعتها ما اعترضش.
ابتسم ابتسامة صفرا كده... وقتها افتكرتها موافقة، وبعدها فهمت إنها كانت بداية المشاكل.
أول كام يوم الدنيا كانت هادية.
أبويا كان بيصحى بدري يجيب عيش سخن، يسقي الزرع في البلكونة، وينزل يتمشى مع الكلب.
لكن أحمد بدأ يرمي كلامه واحدة واحدة.
"هو لازم كل شوية يسيب الكوباية على الترابيزة؟"
"هو بينسى النور مولع ليه؟"
"هو ناوي يقعد عندنا لحد إمتى؟"
وأنا كل مرة أحاول أهدّي نفسي.
"ده أبويا يا أحمد."
رد وهو بيهز كتفه:
"ماشي... بس البيت بقى عامل زي دار مسنين."
الكلمة دي وجعتني...
والأصعب إن أبويا كان بيسمع كل حاجة، لكنه كان بيتظاهر إنه مش واخد باله.
في يوم رجعت من الشغل، لقيت أبويا قاعد لوحده في المطبخ بياكل في هدوء.
قلت له:
"فين أحمد؟"
ابتسم ابتسامة مكسورة وقال:
"قاعد بره... قال بيحب ياكل من غير دوشة... أو من غير صحبة العواجيز."
حسيت دمي غلي.
دخلت عليه على طول.
"هو إيه مشكلتك مع أبويا؟"
قال ببرود:
"مفيش مشكلة... أنا بس عايز بيتي يرجع زي الأول."
قلت:
"وده بيتي أنا كمان."
قام وقف وقال بمنتهى الحسم:
"يبقى اختاري... يا أنا يا أبوكي."
سكتت.
وفي اللحظة دي...
أبويا خرج من الأوضة، شايل شنطة صغيرة.
وقال بصوت كله انكسار:
"خلاص يا بنتي... أنا همشي. مش مستاهلة تتخانقوا عشاني."
ساعتها بس فوقت.
ليه الراجل الوحيد اللي عمره ما كسر بخاطري هو اللي يمشي؟
بصيت لأحمد وقلت:
"عندك حق... لازم حد فينا يمشي."
ابتسم، وهو فاكر إنه كسب.
لحد ما سمعني بكمل:
"قوم لم هدومك."
وشه اتغير.
"إيه؟"
قلت بكل هدوء:
"الشقة دي باسمي... أبويا قاعد فيها. إنت اللي هتمشي."
صرخ:
"إنتِ بتهزري؟"
قلت:
"عمري ما كنت جد بالشكل ده."
فضل يجادل ويزعق أكتر من ساعة.
وأنا في الوقت ده كنت كلمت أخوه ييجي ياخده.
ولما أخوه وصل...
أبويا راح جايب كيس صغير واداهوله.
قال باستغراب:
"إيه ده يا حاج؟"
قال له بابتسامة:
"سندوتشين جبنة... الطريق طويل، بلاش أخوك يجوع."
أخو أحمد ما قدرش يمسك نفسه، وانفجر من الضحك.
وأحمد خرج من البيت وهو مولع.
وأبويا ناداله من البلكونة:
"وخد الريموت معاك... أصل عمرك ما كنت بتسيبني أختار القناة!"
أنا وأخو أحمد فضلنا نضحك لحد ما دموعي نزلت.
بعد ما مشي...
البيت رجع بيت بجد.
أبويا زرع البلكونة نعناع وطماطم وريحان، وصاحب كل الجيران.
وكل يوم قبل ما أرجع من الشغل، كان يحضر الشاي ويستنانى على البلكونة.
وفي يوم مسك إيدي وقال:
"سامحيني... أنا كنت سبب في اللي حصل."
ابتسمت وقلت له:
"بالعكس يا بابا... إنت السبب إني أشوف الحقيقة."
الحقيقة إن المشكلة عمرها ما كانت وجودك...
المشكلة كانت الشخص اللي ماعرفش قيمة الراجل اللي رباني.
وأوقات ربنا بيكشف الناس بسرعة...
كل اللي بيحتاجه، شنطة سفر...
بس تكون شنطة الشخص الصح.
كانت أول ليلة بعد ما أحمد خرج من البيت غريبة.
الهدوء اللي كنت فاكرة إني هخاف منه... طلع أريح بكتير من صوت الإهانة اللي كنا عايشين فيه.
أبويا فضل يبص لباب الشقة كأنه مستني أحمد يرجع، وبعدين قال بصوت واطي:
"يمكن اتسرعتي يا بنتي... البيت ما يستاهلش يتخرب عشاني."
مسكت إيده وقلت:
"البيت اللي يخليك تحس إنك غريب... ده متخرب من زمان يا بابا."
هز راسه وسكت.
لكن اللي ماكنتش أعرفه إن الحكاية لسه ما بدأتش.
بعد أسبوع تقريبًا، أحمد بعتلي رسالة.
"أنا مستعد أرجع... بس بشرط."
حتى من غير ما أفتح الرسالة كنت عارفة هيقول إيه.
"والدك لازم يمشي."
قفلت الموبايل من غير ما أرد.
تاني يوم فوجئت بيه واقف تحت العمارة.
كان بيكلم الجيران بصوت عالي، ويحاول يبين إني أنا اللي ظلمته.
ولما طلعت له، قال قدام الكل:
"كل ده علشان راجل كبير؟ هتضيعي جوازك؟"
ابتسمت لأول مرة من قلبي.
وقلت:
"لا... أنا أنقذت نفسي."
سابني ومشي وهو متوقع إني هضعف بعد كام يوم.
لكن الأيام عدت...
وأنا بقيت أقوى.
بدأت أرجع من الشغل ألاقي البيت مليان ريحة أكل.