مجموعه من الاطفال

لمحة نيوز


ندى تكلمت أولًا.
فاطمة... محتاجين نتكلم.
نظرت إليها بهدوء.
اتفضلي.
لكنها لم تنظر في عيني.
كانت تنظر إلى الأرض.
إحنا عرفنا مين عمل البلاغ.
توقفت خطواتي.
مين؟
ساد صمت ثقيل.
ثم قالت امرأة اسمها سمر
مش إحنا.
رفعت حاجبي.
أمال مين؟
ندى ابتلعت ريقها.
البواب.
صمتُّ.
فأكملت
كان فاكر إنك بتشغلي ناس من بره العمارة وبتكسبي فلوس كتير. راح اشتكى من نفسه من غير ما يقول لحد.
لم أشعر بشيء.
لا راحة.
ولا غضب.
فقط هدوء غريب.
ثم سألت
وإنتوا لما قلتوا في الجروب إن أخد الفلوس غلط؟
لم يرد أحد.
سمر هي التي تكلمت أخيرًا.
كنا غلطانين.
وأضافت ندى بصوت مكسور
وإحنا اللي خسرنا.
ظننت أن الكلام انتهى.
لكنه لم ينتهِ.
ندى أخرجت ظرفًا أبيض من حقيبتها ومدته نحوي.
إيه ده؟
فتحيه.


فتحت الظرف.
في الداخل كان هناك أكثر من عشرين ألف جنيه.
تجمدت في مكاني.
الفلوس دي منين؟
قالت
جمعناها كلنا.
ليه؟
بدأت الدموع تظهر في عينيها.
لأننا حسبنا كل مرة اتأخرتي فيها مع أولادنا... وكل مرة اشتريتي حاجة من جيبك... وكل مرة عملتي أكلة مخصوص لطفل عنده حساسية... وإحنا عمرنا ما شكرناكي.
لم أمد يدي لأخذ الظرف.
فأكملت
مش بندفع تمن الأكل.
إحنا بندفع ثمن قلة تقديرنا.
ولأول مرة منذ يوم البلاغ...
شعرت بشيء يهتز داخل صدري.
لكن المفاجأة الحقيقية لم تأتِ منهم.
بل من خلفهم.
فجأة خرج الأطفال من مدخل العمارة.
كلهم.
ملك.
وياسين.
وعمر.
ولينا.
وغيرهم.
كانوا يحملون أوراقًا ملونة.
اقتربت ملك ومدت لي ورقة مطوية.
فتحتها.
وجدت رسمة لسفرة كبيرة.
وحولها أطفال
يضحكون.
وفي المنتصف امرأة ترتدي مريلة مطبخ.
وتحت الرسمة كتبت بخط طفولي متعرج
شكراً يا طنط فاطمة لأنك كنتِ بتأكلينا لما ماما وبابا كانوا مشغولين.
شعرت بشيء ساخن ينزل على خدي.
دمعة.
ثم ثانية.
ثم ثالثة.
حتى الأطفال أنفسهم بدأوا يبكون.
ملك احتضنتني فجأة.
وقالت
أنا كنت فاكرة إنك سبتينا عشان إحنا وحشين.
ركعت على ركبتي حتى أصبحنا في نفس المستوى.
ومسحت دموعها.
لا يا حبيبتي.
أنا بس اتعلمت إني ماينفعش أساعد حد مش مقدر المساعدة.
في تلك الليلة لم آخذ الظرف.
وأعدته لهم.
لكنني طلبت شيئًا واحدًا.
في الأسبوع التالي، اجتمع سكان العمارة كلهم في السطح.
وافتتحنا مشروعًا صغيرًا.
ليس داخل شقتي.
بل بشكل قانوني ورسمي.
مطبخ مجتمعي مرخص لخدمة أطفال المنطقة.
كل أسرة
تشارك بوقتها أو بمبلغ رمزي.
وكل شيء موثق وواضح.
لا استغلال.
ولا مجاملات.
ولا ديون معنوية.
بعد عام واحد فقط...
المشروع أصبح يخدم أكثر من مائتي طفل.
وحصل على دعم من عدة مؤسسات.
أما أنا...
فأصبحت المديرة العامة للبرنامج الغذائي بالكامل.
وفي حفل الافتتاح السنوي، وقفت أمام الحضور ألقي كلمة قصيرة.
وفي الصف الأول كانت ندى وابنتها ملك.
وحين انتهيت من الكلام، وقفت ملك وصفقت بأعلى صوتها.
ثم صرخت أمام الجميع
دي طنط فاطمة... أحسن واحدة عملت رز بالفراخ في الدنيا!
فضجت القاعة بالضحك.
أما أنا...
فضحكت أيضًا.
لأنني أدركت أخيرًا أن بعض الخسارات لا تأتي لتكسرنا.
بل تأتي لتخرجنا من المكان الذي كنا نُقلِّل فيه من قيمة أنفسنا.
وهكذا انتهت الحكاية.
لا بطرد أحد.

ولا بالانتقام.
بل بشيء كان أصعب وأجمل بكثير
أن يعرف كل شخص قيمة ما كان يملكه... بعد أن كاد يخسره إلى الأبد.

تم نسخ الرابط