مجموعه من الاطفال
مجموعة من الجيران بلغوا عني بتهمة بيع أكل بيتي من غير ترخيص، رغم إني لمدة سنتين كنت بس بجهز العشا لأطفال العمارة لأن أهاليهم كانوا بيرجعوا من الشغل متأخر.
ما اتخانقتش في الجروب.
وما حاولتش أبرر أو أستعطف حد.
بس طفيت البوتاجاز، ورجعت كل جنيه أخدته... وسيبتهم يكتشفوا بنفسهم تكلفة إنهم يأكلوا أولادهم أكل كويس لما ما يبقاش فيه حد يستغلوه.
اسمي فاطمة.
ساكنة في عمارة سكنية في القاهرة بقالى تقريبًا عشر سنين. كنت قبل كده أخصائية تغذية في عيادة أطفال، لكن اتقاعدت بدري بسبب مشاكل صحية. ومع ذلك، عمري ما بطلت أحب أطبخ للأطفال. كنت بعرف أجهز أكل مناسب للطفل اللي عنده حساسية من البيض، أو اللي مش بيحب الخضار، أو اللي محتاج يزيد وزنه بطريقة صحية من غير أكل مضر.
كل حاجة بدأت مع بنت جارتي ندى.
في ليلة، ندى خبطت على باب شقتي وهي ماسكة بنتها من إيديها.
يا فاطمة، ممكن تساعديني النهارده بس؟ اتأخرت في الشغل ومش لحقت أعمل العشا لملك.
حضرت رز بالفراخ وكوسة وشوربة خفيفة. والبنت أكلت وهي مبسوطة.
تاني يوم ندى رجعت.
وبعدين أم تانية.
وبعدين واحدة كمان.
في أقل من شهر، بقي عندي كل يوم ستة أطفال قاعدين على سفرتي الساعة سبعة بالليل. كنت
ما بقيتش غنية.
بالعكس، مرات كتير كنت بدفع من جيبي عشان أجيب فاكهة أو لبن خالي من اللاكتوز أو عيش صحي.
لكن كنت بقول لنفسي إن طول ما الأطفال بياكلوا كويس، يبقى الموضوع يستاهل.
لحد ما في يوم تلات، جالي اتصال من الحي.
الأستاذة فاطمة، وصلنا بلاغ بخصوص بيع أطعمة بشكل غير قانوني من داخل شقتك. لازم توقفي النشاط لحين انتهاء المعاينة.
اتصدمت.
أول ما قفلت المكالمة، فتحت جروب العمارة.
ندى كانت أول واحدة تكتب
فاطمة، فيه عشا النهارده صح؟ ملك خارجة من الكاراتيه الساعة سبعة.
رديت
لا. من النهارده مش هجهز عشا تاني. حد بلغ عني.
الجروب سكت ثواني.
وبعدين الرسائل بدأت تنزل.
إزاي يعني؟ ابني مش بياكل أي حاجة غير الشوربة بتاعتك.
يا فاطمة، مينفعش تسيبينا كده فجأة.
لو المشكلة في الفلوس، اعمليها ببلاش. في الآخر إنتِ كده كده بتطبخي في بيتك.
قريت الجملة الأخيرة كذا مرة.
وساعتها فهمت.
الموضوع ما كانش بلاغ من حد غريب.
دول كانوا هما.
ندى كتبت
متزعليش. إحنا بس شايفين إن أخد فلوس على حاجة بسيطة زي دي مش صح. إحنا جيران، والمفروض
حسيت إن حاجة اتكسرت جوايا.
سنتين وأنا برعى أطفالهم، وبظبط لهم الأكل، وبفتكر حساسياتهم، وبستنى الأهالي اللي بيتأخروا من غير ما يبلغوا.
وفي الآخر أنا اللي غلطانة.
كتبت آخر رسالة
معاكم حق. مش هاخد فلوس تاني، ومش هطبخ تاني. تعالوا بكرة خدوا الفلوس اللي دفعتوها الأسبوع ده.
وبعدين خرجت من الجروب.
تاني يوم رجعت كل جنيه.
وكمان طفيت البوتاجاز الكبير، وخزنت الحلل، ووافقت على عرض شغل كنت برفضه من شهور إدارة قائمة وجبات الأطفال في مطعم صحي جديد فتح قريب من واحدة من أغلى المناطق التعليمية في القاهرة.
الخبر انتشر بسرعة.
وبعد أسبوع، نفس الجيران بدأوا يكلموني.
ندى كانت أول واحدة.
يا فاطمة، ملك مش راضية تاكل الأكل الجاهز. ممكن تعمليلها الشوربة بتاعتها بس؟
مقدرش رديت. دلوقتي بشتغل بعقد.
بس إحنا جيران...
ابتسمت.
وعشان كده بالذات، أنا اتعلمت.
بعد الضهر، المطعم أعلن عن قائمة الانتظار.
برنامج غذائي مخصص للأطفال 1800 جنيه في الأسبوع.
في أقل من ساعة، أكتر من أم من العمارة حاولوا يسجلوا.
لكن النظام رفضهم.
لأني كنت باعتة قبلها للإدارة قائمة صغيرة جدًا.
عملاء غير موصى بالتعامل معهم بسبب البلاغات الكاذبة واستغلال الثقة.
في الليلة دي، من شباكي، شفت ندى نازلة بكيس أكل سريع، وملك بتعيط لأنها نفسها تاكل الرز بالفراخ اللي كنت بعمله.
ما حسيتش بالذنب.
قفلت الستارة وحطيت الشوربة تغلي.
المرة دي...
كانت ليا أنا وبس
المرة دي...
لم تكن الشوربة لأطفال العمارة.
كانت لعشرات الأطفال الذين يدفع أهاليهم ثمنًا حقيقيًا للخدمة ويحترمون من يقدمها.
مرت ثلاثة أشهر.
كبر المشروع بسرعة لم أكن أتوقعها.
المدرسة الدولية القريبة تعاقدت مع المطعم لتوفير وجبات صحية للطلاب. وبعدها بأسبوعين، تعاقدت حضانة كبيرة أخرى. ثم بدأت أمهات يأتين من أحياء بعيدة خصيصًا للحصول على برامج التغذية التي أضعها.
ولأول مرة منذ سنوات، شعرت أن خبرتي تُقدَّر فعلًا.
أما في العمارة...
فبدأت المشاكل.
في البداية ظن الأهالي أن الأمر بسيط.
طلبوا وجبات جاهزة من تطبيقات التوصيل.
ثم اكتشفوا أن الأطفال يرفضون معظمها.
بعض الأطفال عادوا للأكل السريع يوميًا.
بعضهم بدأ يخسر وزنًا.
والبعض الآخر أصبح يقضي المساء كله أمام الهاتف بانتظار أهله العائدين متأخرًا.
لم يكن الطعام وحده هو ما اختفى.
كان الاهتمام.
وفي إحدى الليالي، بينما كنت عائدة من العمل، وجدت مشهدًا غريبًا أمام العمارة.
ندى وأربع
وكأنهن ينتظرن أحدًا.
وحين رأينني، تقدمن نحوي.