لميت هدوم ابني
أحمد وصاحبه كريم.
وأغلبها عن الفلوس.
"قولها إنك محتاج كورس."
"قولها إنك مديون."
"اعمل نفسك مكتئب يومين وهتديك."
"لو أبوك رفض، خلي أمك تتصرف."
"الست دي بتضعف أول ما تشوفك زعلان."
إيدي بدأت ترتجف.
لكن لسه الأسوأ جاي.
فتحت رسالة صوتية.
وصوت أحمد خرج من السماعة واضح كأنه واقف جنبي.
كان بيضحك.
ضحك بارد.
وقال:
— أمي أسهل واحدة في الدنيا. كل ما أقولها إني تعبان نفسيًا تروح تسحب فلوس من تحويشتها وتديني.
وبعدين ضحك كريم.
وقال:
— وأبوك؟
رد أحمد:
— ده؟ سيبه عليا. بخليه يحس بالذنب شوية وخلاص.
حسيت كأن حد ضربني في صدري.
مش علشان الفلوس.
أنا اشتغلت طول عمري ومش فارق معايا الفلوس.
لكن علشان ابني كان شايفنا لعبة.
أنا وأمه.
مجرد مصدر تمويل.
وبس.
منى بدأت تبكي.
بصتلها.
وقلت:
— من إمتى؟
نزلت بعينيها للأرض.
— من حوالي سنة.
— سنة؟!
— كنت فاكرة إنه هيتغير.
— وسكتي؟
انهارت على الكرسي.
وقالت:
— كل مرة كنت أحاول أرفض كان يعيط... يقولي إنه فاشل... وإنه ممكن يأذي نفسه... كنت بخاف عليه.
سكتت ثواني.
وبعدين قالت:
— وبعدين بدأت أستلف.
رفعت راسي ببطء.
— تستلفي؟
هزت رأسها.
قلبي وقع.
— منى... إنتِ استلفتي فلوس؟
عيونها امتلأت دموع.
وقالت:
— حوالي مية وخمسين ألف جنيه.
حسيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي.
— كام؟!
— مية وخمسين ألف.
— علشان أحمد؟!
هزت رأسها.
كانت بتبكي بشكل هستيري.
وقالت:
— كان يقولي إنها آخر مرة.
— وكل مرة كنت أصدقه.
قعدت على الكرسي.
أول مرة في حياتي أحس إني مش قادر أقف.
مية وخمسين ألف جنيه.
فلوس شغل سنين.
راحوا فين؟
سألتها.
فقالت:
— معرفش.
فتحت تطبيق البنك على موبايله.
وبدأت أراجع التحويلات.
هنا كانت الكارثة الحقيقية.
الفلوس ما راحتش لدراسة.
ولا مشروع.
ولا علاج.
ولا كورسات.
أغلبها كان رايح لحسابات مراهنات إلكترونية.
وألعاب أونلاين.
ومواقع قمار.
في لحظة واحدة...
كل حاجة فهمتها.
كل الوظايف اللي كان بيسيبها.
كل الأعذار.
كل الأكاذيب.
كل نوبات الاكتئاب اللي كانت تظهر وقت ما الفلوس تخلص.
ابني كان مدمن قمار.
وقتها فقط...
عرفت إن الوحش الحقيقي ما كانش الكسل.
ولا الدلع.
ولا البطالة.
الوحش كان أكبر من كده.
وأخطر.
كان قاعد على سفرتنا كل يوم.
وبيأكل من أكلنا.
وبيمثل علينا.
وبيسرق مستقبل أمه وأبوه.
وفي نفس اللحظة تقريبًا...
رن جرس الباب.
أنا ومنى بصينا لبعض.
الساعة كانت قربت على منتصف الليل.
فتحت الباب.
لقيت شابين واقفين.
وشهم مش مريح أبدًا.
واحد منهم قال:
— أحمد هنا؟
قلت:
— لأ.
بص للتاني.
وقال:
—
سألته:
— مين حضرتك؟
ابتسم ابتسامة خلتني أتجمد.
وقال:
— ناس ليها عنده فلوس.
وبعدين قرب شوية.
— ولو ظهر... قوله الدين بقى 78 ألف.
وقفلت الباب في وشه فورًا.
ورجعت أبص لمنى.
كانت بتترعش.
همست:
— كان بيقترض كمان؟
ردت:
— اكتشفت من أسبوع.
سكتت.
وبعدين قالت:
— كنت هقولك.
— والله كنت هقولك.
لكن فات الأوان.
في الليلة دي ما نمتش.
ولا منى نامت.
كل شوية نتخيل أحمد فين.
بيعمل إيه.
مع مين.
رغم كل اللي اكتشفناه...
كان برضه ابننا.
والقلب عمره ما بيفصل بسهولة.
مر أسبوع.
مفيش أي خبر.
أسبوعين.
ولا مكالمة.
شهر كامل.
ولا رسالة.
وبعدين...
في صباح يوم جمعة.
وأنا بشرب القهوة.
سمعت خبط خفيف على الباب.
فتحت.
واتصدمت.
أحمد كان واقف.
لكن مش أحمد اللي أعرفه.
دقنه طويلة.
هدومه متبهدلة.
عينه غائرة.
وشه أصفر.
وكأنه كبر عشر سنين في شهر واحد.
بصلي.
وما اتكلمش.
وبعدين فجأة...
ركع على ركبته.
وقال:
— بابا... أنا خسرت كل حاجة.
خرجت منى تجري أول ما سمعت صوته.
لكنها وقفت مكانها.
أحمد كان بيبكي.
بجد.
أول مرة أشوفه بيبكي بالشكل ده.
قال:
— صحابي سابوني.
والناس بتطاردني.
ونمت في أماكن ما تتخيلهاش.
وأكلت من جمعيات خيرية.
وبعت كل حاجة كانت معايا.
حتى البلايستيشن.
حتى الكمبيوتر.
كل حاجة.
سكت.
وبعدين رفع رأسه.
وقال:
— كنت فاكر إنكم هترجعوني بعد يومين.
كنت فاكر إنكم محتاجيني.
لكن اكتشفت إني أنا اللي كنت محتاجكم.
الصمت ملأ المكان.
ثم مدلي ظرفًا ورقيًا.
فتحته.
كان عقد عمل.
في شركة شحن.
راتب بسيط جدًا.
وساعات طويلة.
قال:
— اشتغلت من أسبوعين.
وأول مرتب هسد منه جزء من ديوني.
وبعدين بص لأمه.
وقال:
— ومش هطلب منكم جنيه تاني.
منى كانت بتبكي.
وأحمد كان بيبكي.
وأما أنا...
فكنت أحاول أقرر إذا كنت أصدق أم لا.
اقتربت منه.
نظرت في عينيه طويلًا.
ثم قلت:
— البيت مفتوح.
لكن بشروط.
ابتلع ريقه.
قلت:
— هتشتغل.
هتسدد ديونك.
هتدفع جزء من مصاريف البيت.
وهتتعامل مع أمك باحترام طول عمرك.
ولو رجعت أحمد القديم...
الباب هيتفتح مرة تانية.
بس للخروج.
هز رأسه بسرعة.
وقال:
— موافق.
دخل البيت.
وبمجرد ما دخل...
لف ناحية أمه.
وحضنها.
وقال وهو منهار:
— أنا آسف يا أمي.
آسف على كل دمعة.
آسف على كل جنيه.
آسف على كل مرة استغليت حبك.
بعد سنة كاملة...
كان أحمد بيشتغل وظيفتين.
سدد أغلب ديونه.
وسدد كل جنيه أخدته أمه بالاستدانة.
وبقى أول واحد يصحى في البيت.
وأول واحد يساعد أمه.
وأحيانًا كنت أصحى الفجر...
وأشوفه خارج للشغل.
فأفتكر الليلة
الليلة اللي الكل شافني فيها أب قاسي.
لكن الحقيقة؟
أحيانًا أقسى قرار بيأخده الأب...
هو نفس القرار اللي بينقذ ابنه من نفسه.
وأنا في النهاية ما طردتش ابني من البيت...
أنا طردت الوهم اللي كان عايش جواه.