قابلت طليقي وهو...سما سامح

لمحة نيوز

لقيت طليقي بيقلب في الزبالة بيدوّر على علب كانز فاضيه.... 
وأول ما شافني، قال جملة لقيت جوزي السابق بيقلب في الزبالة بيدوّر على علب كانز فاضية.
وأول ما شافني، قال جملة واحدة هزّتني من جوا
عملت كل ده علشان أحميكي.
في البداية افتكرته مجرد راجل مرمي من الزمن، بيحاول يعيش بأي طريقة.
كان واقف في شارع جانبي في القاهرة، تحت شمس حارقة، لابس قميص متّسخ وجزمة متهالكة، ودقنه مخلياه أكبر بعشر سنين. وفي إيده كيس أسود مليان علب صفيح مدعوسة.
لكن لما رفع وشه
قلبي وقف.
محمود؟
اتجمّد مكانه.
جوزي السابق.
نفس محمود الشاذلي اللي كان بيدرّس تاريخ في واحدة من أغلى المدارس الخاصة في القاهرة. الراجل اللي كان يكوي هدومه كل يوم جمعة، وريحتُه دايمًا قهوة وخشب صندل، واللي كان بيسهر للفجر يصحّح ورق الطلبة لأنه كان مؤمن إن المدرس الحقيقي عمره ما يسيب طالب يضيع.
ودلوقتي
بيلم علب من الزبالة.
أول ما عرفني، ما ابتسمش.
بصلي بخوف.
وبعدين لف وشه بسرعة، كأن أسوأ حاجة ممكن تحصل له إني أشوفه بالحالة دي.
ركنت عربيتي ال بالعافية قدام صيدلية، وجريت وراه بالكعب اللي كان بيخبط في الأرض بعنف.
محمود! استنى إيه اللي حصلك؟
فضل باصص للأرض.
روحي يا مريم مش لازم تشوفيني بالشكل ده.
إنت عايش فين؟
اتردد شوية.
وبعدين قال بصوت واطي بالكاد سمعته
في مأوى ناحية شبرا.
حسّيت إن حاجة جوايا اتكسرت.
ده مش شخص

غريب.
ده الراجل اللي في يوم وعدته إني أفضل معاه العمر كله.
الراجل اللي كرهته سبع سنين، لأني كنت فاكرة إنه خانّي.
فتحت شنطتي وطلعت فلوس فلوس كنت ناوية أصرفها في غدا فاخر مع ستات بيتكلموا عن الأعمال الخيرية كأنها ماركة شنط.
خدهم أرجوك. خليني أساعدك. أجيبلك أوضة، هدوم، أكل أي حاجة.
محمود رجع خطوة لورا كأني ضربته بالقلم.
مش عايز فلوسك.
بلاش عند.
وهنا بس رفع عينه فيا.
وكان فيه تعب مرعب في عينيه لدرجة إني شفت للحظة الراجل اللي كنت بحبه مستخبي تحت كل الخراب ده.
قال بهدوء
دي مش كرامة دي آخر حاجة أهلك ماقدروش ياخدوها مني.
جسمي كله ساقع.
أهلي؟
سبع سنين وأنا مصدقة إن محمود هو اللي دمّر جوازنا.
إنه سرق فلوس من المدرسة اللي كان شغال فيها.
إنه صفّى حساباتنا البنكية.
إنه خانّي مع ست تانية.
أمي، إلهام، هي اللي قالتلي كده.
أخويا كريم أكدلي.
والمحامي بتاعي، شريف اللي بقى جوزي بعد الطلاق أثبت ده كله في المحكمة.
كل الناس قالت نفس الرواية
محمود كدّاب.
حرامي.
فضيحة.
لكن الراجل اللي قدامي ماكنش شكله مجرم.
كان شكله إنسان اندفن بالحياة ولسه بيتنفس.
فضلت أرجوه يركب العربية.
رفض في الأول.
قال إنه هيبهدل الكراسي، وإن شريف هيزعل.
قلتله إن شريف مالوش حق يقرر ضميري يستحمل إيه ومايستحملش إيه.
في الآخر ركب.
قعد متخشب في الكرسي اللي جنبي، ماسك الكيس الأسود بين رجليه كأنه مستعد يهرب
في أي لحظة.
وديته لكافيه صغير في الزمالك، بعيد عن أي حد ممكن يعرفنا.
ما طلبش حاجة.
فطلبتله أنا
قهوة سخنة.
ساندويتش.
وقطعة جاتوه.
كان بياكل ببطء بحذر كأن الأكل الدافي بقى حاجة ما يثقش فيها.
ماقدرتش أبطل أبص على إيده.
الإيد اللي كانت بتمسك كتب، وأقلام، ووشي
بقت دلوقتي متشققة، وسودا، وبتترعش وهي ماسكة كوب القهوة الورق.
قلتله
قولّي الحقيقة إيه اللي وصلك لكده؟
ملامحه اتغيرت.
مش بخجل.
بخوف.
بص ناحية الشباك.
وبعدين الباب.
ورجع بصلي كأن مجرد الكلام ممكن يقتلنا إحنا الاتنين.
عملت اللي كان لازم أعمله.
يعني إيه؟
زق الطبق بعيد.
ما تسألينيش.
محمود أنا عشت سبع سنين فاكرة إنك دمّرت حياتي.
شد فكه بقوة.
عارف.
وسبتني أصدق.
قفل عينه للحظة.
أيوه.
ليه؟
لما فتح عينه تاني كان فيها إحساس عمري ما كنت مستعدة أفهمه.
وجع.
تحذير.
وحب كنت فاكرة إنه مات من زمان.
قال بصوت مكسور
لأن طول ما إنتِ بتكرهيني كنتِ بأمان.
نفَسي اتقطع.
أمان؟
من إيه؟
ومن مين؟
قبل ما أسأله، إيده اتحركت على طرف الترابيزة.
ولمحت تحت الكم ندبة طويلة على رسغه ماكنتش موجودة زمان.
همست بخوف
مين اللي عمل فيك كده؟
محمود قام فجأة لدرجة إن الكرسي خبط في الأرض.
ماكانش المفروض أقعد.
إنت ماجتش أنا اللي لقيتك.
وده أسوأ.
طلع ورقة مطبقة من جيبه، وحطها قدامي على الترابيزة.
ما تحاوليش تكلّميني. وما تمشيش ورايا. وأوعى أوعى شريف
يعرف إنك شفتيّ.
جسمي كله تجمّد.
شريف؟
بصلي المرة دي بجد وصوته نزل لدرجة خوفت منه.
اسألي أهلك قبضوا كام علشان يحمّوكي من الحقيقة.
وسابني ومشي.
فضلت قاعدة مكاني، ببص على فنجان القهوة اللي قدامه.
برا محمود اختفى وسط الناس، كأنه شبح الدنيا قررت تنساه.
تليفوني رن.
رسالة من شريف
إنتِ فين؟
ولأول مرة من سبع سنين
السؤال ماحسّيتوش خوف عليّ.
حسّيته سيطرة.
بصيت للورقة اللي محمود سابهالي.
على ضهرها أربع كلمات مكتوبة بإيد مرتعشة
افتحي خزنة أبوكي.
أبويا كان ميت من تلات سنين.
والخزنة مقفولة من يوم جنازته.
في اللحظة دي فهمت إن محمود ما وقعش لوحده.
حد دمّره عمد.
وخلاني أكرهه.
وإن كل حاجة خسرها كانت مرتبطة بحاجة واحدة
إنه كان بيحاول يحميني.
رجعت البيت وأنا حاسة إن العربية بتسوقني لوحدها.
إيدي كانت بتترعش فوق الدريكسيون، وعقلي بيرجع لنفس السؤال كل دقيقة
إزاي محمود انتهى بيه الحال كده؟
وإزاي أنا ما شكّتش يوم؟
دخلت الفيلا، لقيت شريف قاعد في الصالون، لابس بدلة رمادي، وماسك اللابتوب بتاعه، نفس النظرة الباردة اللي دايمًا كنت باعتبرها هيبة.
رفع عينه أول ما دخلت.
اتأخرتي.
كان عندي مشوار.
فين؟
السؤال خرج بسرعة أسرع من الطبيعي.
وقبل ما أرد، لاحظت حاجة عمري ما خدت بالي منها قبل كده
شريف عمره ما بيسأل بدافع اهتمام.
كان بيسأل علشان يراقب.
قلت بهدوء قابلت حد.
ملامحه ما اتهزتش لكن
صوابعه شدّت على اللابتوب.
مين؟
بلعت ريقي.
محمود.
الصمت اللي حصل بعدها كان مرعب.
حرفيًا مرعب.
لأول مرة من يوم ما اتجوزته، شفت الرعب في عين شريف.
مش الغضب.

تم نسخ الرابط