اشتريت غساله مستعملة
المحتويات
بسبب أمانتي، ولا حتى في أن الغسالة المستعملة حملت سرًا مخفيًا عشرين سنة.
الصاعقة الحقيقية جاءت عندما أخرج الضابط صورة قديمة من الملف، ووضعها أمامي، فسقط قلبي في صدري، لأن الرجل الواقف خلف زوج السيدة في الصورة كان صاحب محل المستعمل نفسه الذي باعني الغسالة بثمن رخيص.
قال الضابط بهدوء واضح إن الخاتم وصل لك مش بالصدفة يا سامح في ناس كانت تحاول تتخلص من الغسالة، لكن ربنا اختارك أنت تلاقيه.
وقفت وسط الشارع، أطفالي يمسكون بملابسي، والشرطة حولي، والسيدة تبكي، وأنا أفهم أن لحظة واحدة من الأمانة فتحت باب جريمة دفنها أصحابها لسنوات.
فهل كان صاحب محل المستعمل يعرف أن الخاتم داخل الغسالة؟ ولماذا تخلص ابن السيدة من الغسالة بهذه السرعة؟ وهل سيكشف التسجيل قاتل سليم الحقيقي أم أن إرجاع الخاتم وضعني أنا وأطفالي في خطر لم أكن أتخيله
لكن قبل ما سامح يستوعب الصدمة لمح شيئًا أغرب.
صاحب محل المستعمل لم يكن موجودًا بين الناس المتجمهرين تحت البيت.
كان المحل مغلقًا.
والقفل جديد.
رفع الضابط عينيه نحو سامح وقال بصوت منخفض إحنا رحنا المحل قبل ما نيجي هنا لقيناه فاضي.
فاضي إزاي؟!
كأن الراجل هرب من ساعات.
شعر سامح ببرودة تسري في ظهره، بينما السيدة المسنة أمسكت ذراعه بقوة وقالت يا ابني إنت لازم تاخد بالك من نفسك ومن العيال.
لكن قبل
نظر الضابط إلى سامح وقال واضح إن الموضوع أكبر مما كنا متخيلين.
في ذلك اليوم، لم يذهب الأطفال إلى المدرسة.
جلسوا متلاصقين على الكنبة القديمة بينما رجال الشرطة يفتشون البيت، ليس لأنهم يشكون في سامح، بل لأنهم أرادوا التأكد أن أحدًا لم يضع شيئًا آخر داخل الغسالة أو بين أغراضه.
كانت ملك الصغيرة تراقب كل شيء بخوف وتسأل همسًا بابا إحنا عملنا حاجة وحشة؟
فيبتسم سامح رغم التوتر لا يا حبيبتي بالعكس، إحنا عملنا الصح.
لكن داخله لم يكن مطمئنًا.
لأن الرجل الذي هرب يعرف عنوانه الآن.
بعد ساعات، طلب الضابط من سامح أن يأتي معهم إلى القسم للإدلاء بأقواله.
وهناك بدأت الحقيقة تخرج قطعة قطعة.
قبل عشرين سنة، كان سليم زوج السيدة العجوز يمتلك شركة استيراد كبيرة. وفجأة مات في ما قيل وقتها إنه حادث سرقة انتهى بإطلاق نار.
القضية أغلقت بسرعة.
والشركة انتقلت إلى شريك آخر.
لكن زوجته ظلت طوال السنين تؤكد أن زوجها قُتل، لا سُرق.
ولأن سليم كان يشك في شركائه قبل موته بفترة، سجّل اعترافات ووثائق على شريحة صغيرة جدًا أخفاها داخل خاتم زوجته.
كان ينوي إعطاءها لها لو حدث له شيء.
لكن الخاتم اختفى ليلة مقتله.
واختفى معه الدليل الوحيد.
قال
سأل سامح بتوتر وصاحب محل المستعمل؟
تنهد الضابط كان سواق عند شريك سليم زمان وبعد القضية فتح محل الخردة بتاعه فجأة وبقى معاه فلوس.
شعر سامح بأن أنفاسه تضيق.
كل شيء بدأ يترابط بشكل مرعب.
الغسالة.
الخاتم.
الهروب.
كلها لم تكن صدفة.
وفي تلك الليلة
عاد سامح إلى بيته متأخرًا.
حاول أن يتصرف طبيعيًا أمام أولاده، فأعد لهم عشاءً بسيطًا، وضحك معهم، وحكى قصة مضحكة كي يزيل الخوف من قلوبهم.
لكن عند منتصف الليل
سمع صوتًا خافتًا في المطبخ.
تجمّد مكانه.
ثم سمع صوت احتكاك بالمعدن.
تمامًا نفس الصوت الذي سمعه أول مرة داخل الغسالة.
نهض ببطء، وأمسك عصا المكنسة وهو يقترب من المطبخ.
كان البيت مظلمًا إلا من ضوء الثلاجة الباهت.
ثم لمح ظل رجل يقف بجوار الغسالة.
شهق سامح مين هناك؟!
الرجل لم يتحرك.
ثم قال بصوت منخفض أجش إنت كان المفروض تبيع الخاتم وتسكت.
ارتجفت يد سامح.
إنت صاحب المحل؟!
اقترب الرجل خطوة، وظهر نصف وجهه في الضوء.
نعم كان هو.
لكن وجهه لم يكن وجه رجل هارب فقط
كان وجه شخص مرعوب.
قال بسرعة اسمعني كويس الناس اللي قتلت سليم مش هيسيبوا حد عرف الحقيقة يعيش.
إنت بتقول إيه؟!
الشريحة اللي لقيتوها ناقصها جزء.
شعر سامح أن قلبه توقف.
جزء إيه؟
أشار الرجل نحو الغسالة وقال في تسجيل تاني أهم من كل اللي الشرطة لقيته وأنا جيت آخده قبل ما يوصلوله.
وفجأة
انفتح باب الشقة بعنف.
وصوت صراخ ملأ المكان شرطة! محدش يتحرك!
قفز الرجل ناحية الشباك محاولًا الهرب، لكن قبل أن يصل إليه دوّى صوت طلقة.
تجمد سامح في مكانه.
وسقط الرجل أرضًا.
أما الضابط الذي اقتحم الشقة، فظل يوجه سلاحه نحوه وهو يصرخ فين التسجيل التاني؟!
رفع سامح عينيه بصدمة.
شيء في صوت الضابط لم يكن طبيعيًا.
شيء جعله يتذكر جملة السيدة العجوز سليم كان يشك في ناس جوه الشرطة كمان
وهنا فقط فهم سامح الحقيقة المرعبة
القاتل الحقيقي ربما لم يكن يختبئ خارج القضية طوال هذه السنوات.
بل كان يحقق فيها بنفسه.
ارتفع صوت بكاء الأطفال من الغرفة.
ونظر الضابط نحوهم للحظة
ثم صوب سلاحه ببطء نحو سامح وقال آخر مرة هسألك التسجيل فين؟
ابتلع سامح ريقه، بينما عيناه تتحركان نحو الغسالة.
لأنه في اللحظة التي اقتحموا فيها الشقة
كان قد لمح شيئًا صغيرًا عالقًا داخل الحلة المعدنية
فلاشة سوداء صغيرة.
والأسوأ من ذلك
أن الضابط لاحظ نظرة سامح إليها.
ثبت سامح مكانه، بينما فوهة المسدس موجهة مباشرة إلى صدره.
الضابط اقترب خطوة وقال ببرود هات الفلاشة حالًا.
خلف سامح، كان أطفاله يبكون في الغرفة، وملك تصرخ بابااا!
وفي تلك اللحظة اختفى الخوف.
لأن سامح أدرك أن الرجل أمامه لن يتركهم أحياء مهما حدث.
خفض عينيه
متابعة القراءة