رميت فنجان القهوه
رميت فنجان قهوة سخن في وش الحاج منصور الحديدي قدام نص سوق طنطا، والسكوت اللي نزل بعدها كان أعلى من صوت الرصاص.
الراجل وقف مكانه مصدوم، القهوة مغرقة القميص الأبيض بتاعه، ووشه محمر من الغضب، وإيده لسه مرفوعة كأنه مش مستوعب إن واحدة غلبانة، لا معاها أهل ولا فلوس، وقدامها شنطة مكسورة، قدرت تقف له قدام الناس.
قالت ليلى عبد الرحمن بصوت مهزوز بسيط، بس عينيها ثابتة:
— إيدك دي لو اتمدت عليا تاني هكسرها.
ابتسم الحاج منصور… والابتسامة دي كانت أوحش من الشتيمة. كل الناس في البلد عارفة إن الراجل ده مش محتاج يزعق عشان يدمر أي حد. عنده مخازن وشركات نقل ونفوذ يخلي نص القسم تحت أمره.
— هتندمي يا بنت. أنا كنت فاتحلك بيتي وشغلي، دلوقتي مش هتلاقي حتى حد يبيعلك عيش.
ليلى مسكت شنطتها بقوة. كل اللي معاها كان ٨٢ جنيه، وبلوزة نضيفة، وجواب قديم مخبياه
— يبقى أمشي من البلد.
ضحك بسخرية:
— ما تلحقيش توصلي للموقف أصلًا… ست لوحدها، بسمعتك دي، متقعدش يومين برا حماية.
الناس كانت بتتفرج… محدش اتحرك. خوف، فضول، أو يمكن لأن مصايب الناس عندنا ساعات بتبقى فرجة قبل ما تبقى عدل.
ليلى مشيت وهي مش عارفة رايحة فين. أول ما دخلت شارع جانبي ورا السوق، حسّت إن اتنين من رجالة الحاج منصور ماشيين وراها. ما جريتش… لسه. لكن إيديها اتشبثت بالشنطة كأنها آخر فرصة للنجاة.
وفجأة عربية سوداء وقفت جنبها.
الازاز نزل، وظهر راجل في آخر التلاتينات، بشرته محروقة من الشمس، لابس قميص جينز وطاقية، وعينيه فيها هدوء غريب… هدوء واحد شاف كل حاجة وفهم أكتر مما هي عايزة تقول.
— اركبي.
ليلى رجعت خطوة:
— ما اعرفكش.
— اسمي سليم ربيع. عندي مزرعة على الطريق الصحراوي… والاتنين اللي وراكي دول مش جايين يعتذروا.
بصت وراها بسرعة… كانوا قربوا فعلًا.
— وليه تساعدني؟
سليم بص ناحية السوق، مكان الحاج منصور واقف وسط الناس.
— عشان الراجل ده بيحاول ياكل حقي بقاله سنين… وعشان اللي عمله معاكي ما يتسكتش عليه.
ليلى ترددت ثانية واحدة… وبعدها ركبت.
في مزرعة "الرحمة"، العمال وقفوا شغل أول ما شافوها نازلة من العربية. سليم ما شرحش كتير.
— دي هتمسك المطبخ من النهارده.
قالت بسرعة:
— أنا ما طلبتش شفقة.
رد بهدوء:
— وأنا ما بعطيش شفقة. إحنا محتاجين حد يعرف يطبخ… الرجالة هنا حرقوا العدس الأسبوع كله.
ولأول مرة من أيام، ليلى حسّت إنها عايزة تبتسم.
المطبخ كان مكركب، الحلل متكومة، والدقيق على الأرض، وريحة الأكل بايتة. لكن هي كانت تعرف ترتب الفوضى. قبل المغرب كانت عاملة شوربة لحمة ورز بالشعرية وعيش سخن. العمال أكلوا وهم ساكتين من الصدمة. حتى عم متولي، كبير
— يا معلم، لو الست دي مشيت… إحنا نمشي وراها.
سليم ما ضحكش… بس نظرته اتغيرت.
— يبقى خلو بالكم منها.
الجملة لمست قلب ليلى أكتر مما كانت متوقعة.
لكن المشكلة جت تاني يوم الفجر.
الحاج منصور الحديدي وصل باب المزرعة ومعاه عربية شرطة. لابس نضيف كأن اللي حصل في السوق ما هزوش لحظة.
— جاي آخد واحدة خانت ثقتي.
سليم خرج يقف قدامه.
— مفيش حد يخصك هنا.
— البنت دي كانت شغالة عندي.
— دلوقتي شغالة عندي.
ضحك الحاج منصور بسخرية:
— واضح إنك ما تعرفش مين اللي دخلتها بيتك… اسأل في القاهرة عن ليلى عبد الرحمن.
ليلى كانت سامعة من المطبخ، وإيديها غرقانة في العجين. أول ما سمعت اسم القاهرة، الدم اتجمد في عروقها.
سليم حتى ما بصّش ناحيتها.
— معاك أمر قبض؟ ورّيه. غير كده اطلع برا أرضي.
الحاج منصور ضغط على سنانه:
— الحكاية
بعد ما مشي، خرجت ليلى للطرقة وهي شاحبة، بس واقفة على رجليها.
قال سليم بهدوء: