خسرت فالمحكمه سما سامح

لمحة نيوز

خسرت في المحكمة قدام جوزها المليونير، وكانت خلاص هتستسلم ومعاها توأمها… لحد ما ست كبيرة كشفت إن القاضي متشاري!
الصبح اللي مريم رفعت خسرت فيه بناتها قبل حتى ما يشوفوا النور، المطر كان نازل على القاهرة كأن السما هي كمان وقّعت على الحكم.
ماكانش مطر خفيف ينعش الجو ويخلّي ريحة الأرض حلوة… لا، ده كان مطر تقيل، غامق، مليان غضب… من النوع اللي بيحوّل الشوارع لبحر طين، وصوت الكلاكسات فيه عامل زي صريخ ناس مخنوقة.
قدام محكمة الأسرة في زينهم، الناس كانت بتجري تحت الشماسي المقلوبة، والباعة بيغطّوا بضاعتهم بأي نايلون، والعساكر واقفين على الباب بيبصّوا من غير ما يشوفوا… كأنهم متعودين يشوفوا حيوات بتتكسر جوه المكان ده كل يوم.
مريم خرجت من باب المحكمة، حاضنة ملف ورق بيغرق بالمطر على صدرها، وإيديها بترتعش وهي حاطة على بطنها في الشهر السابع.
جوه بطنها كان فيه بنتين… توأم.
بنات لسه ما شافوش الدنيا، لكن اتقسموا خلاص بين رجالة لابسين بدل… كأنهم ممتلكات، مش روح ودم، كأنهم مش سامعين قلب أمهم المكسور.
— مستحيل… مستحيل… — قالتها وهي شفايفها مزرقة

من البرد والرعب.
وراها خرج رامي السيوفي، جوزها… واقف تحت شمسية سودة شايلها له السواق.
المطر ما لمسوش… عمره ما بيلمسُه حاجة… لا ذنب، ولا تأنيب، ولا وجع حد تاني.
لابس بدلة شيك متفصلة، وجزمته بتلمع… ووشه الهادي اللي ضحك بيه على الكل قبل كده… على أهل مريم، وعلى الجيران، وعلى شركاؤه… وحتى عليها هي.
أمه، مدام كاميليا، ماشية جنبه بشنطة غالية، وعلى وشها ابتسامة صغيرة… سامة… من النوع اللي بيتشاف بس للضحية.
قربت من مريم وقالت بصوت واطي: — مش قلتلك يا مريم؟ الست اللي مش مستقرة ما ينفعش تربي بنات عيلة السيوفي.
مريم بصتلها… عينيها حمرا ومورّمة، بس مش ضعف… دي عيون حد استحمل كتير.
شهور وهي بتجيب أدلة: تسجيلات صوت وهو بيهددها، رسائل بيأمرها فيها ما تخرجش، صور لكدمات كان بيقول عليها “حوادث”، وروشتات مهدئات بقت محتاجاها بسبب عيشتها معاه.
جابت شهود… جابت حقيقتها.
ولا حاجة فرّقت.
القاضي، المستشار شريف عبدالقادر، نطق الحكم كأنه بيقرا ورقة مكتوبة من قبل ما يشوفها:
الحضانة الكاملة للأب أول ما الأطفال يتولدوا.
الأم تحت متابعة نفسية.
ممنوع تاخد أي
قرار طبي من غير موافقة الأب.
زيارات تحت رقابة.
مريم ما استوعبتش…
إزاي تخسر بناتها وهي لسه شايلهم في بطنها؟
إزاي قاضي يقرر إن رحمها مجرد محطة… انتظار… لحد ما يسلم البنات للراجل اللي دمّرها؟
رامي قرّب منها… ريحته عطر غالي وانتصار وسخ.
— ما تعمليش فضيحة هنا… — قالها بهدوء يخوّف — إنتي خسرِتي. الأحسن تمشي عدل… يمكن أخليكي تشوفيهم أكتر شوية.
جوا بطنها، واحدة من البنات اتحركت.
— دول بناتي… — همست مريم.
ابتسم… بس عينه كانت باردة: — دول سيوفي… فوقي بقى.
الكلمة دي كسرت حاجة جواها.
بصت حواليها… على الناس… على المطر… على اللامبالاة…
ولا حد اتكلم.
حتى محاميها… الراجل اللي رامي هو اللي رشحه لها “عشان يوفر”… خرج من غير حتى ما يبصلها.
ساعتها فهمت…
يمكن عمره ما كان في صفها أصلاً.
الملف وقع من إيديها… الورق اتبل ووقع في الطين… الحكم اتفتح على الأرض، والكلام بدأ يسيح.
مدام كاميليا ضحكت ضحكة خفيفة: — يا حبيبتي… حتى الخسارة ليها أصول.
وساعتها…
حاجة جوا مريم اتكسرت.
ما صرختش…
ما عملتش مشهد…
سكتت.
بصت لكل حاجة حواليها كأنها بعيدة… كأنها ورا إزاز
سميك.
صوت المطر بقى زي طنين… والعربيات زي خيالات.
افتكرت بناتها…
افتكرت السريرين الصغيرين اللي جابتهم في السر من سوق في عين شمس…
افتكرت الهدوم الصغيرة اللي مخبياها…
والليالي اللي كانت بتغنّي لهم فيها عشان ما يسمعوش صوت أبوهم وهو بيهينها.
وفجأة…
فكرت في حاجة مرعبة.
لو اتولدوا… هياخدهم منها.
لو اتولدوا… هيتربّوا وهم فاكرين إن أمهم مجنونة.
لو اتولدوا… هيستخدمهم يعذبها طول عمرها.
مريم بدأت تمشي… من غير ما تعرف رايحة فين.
بس كانت عارفة حاجة واحدة…
إنها ما ينفعش ترجع.
لا لشقة التجمع اللي كل حاجة فيها بتفكرها بيه…
ولا تكلم أمها في المنصورة المريضة…
ولا تطلب مساعدة من إخواتها… لأن رامي سبقها وقنعهم إنها “تعبانة نفسياً”.
مشيت مريم في المطر، والرؤية قدامها بتنعدم، مش بس بسبب المية، لكن بسبب دموع القهر اللي مالي سكتها. فجأة، وهي بتعدي شارع جانبي بعيد عن زحمة المحكمة، رجلها اتكعبلت في الرصيف ووقعت. الملف طار في الطين، وهي حاولت تحمي بطنها بإيديها.
في اللحظة دي، حست بإيد قوية وناشفة بتمسكها. رفعت عينها لقيت ست كبيرة، لابسة عباية سودة
بسيطة بس وشها فيه هيبة غريبة، وعينيها فيها نظرة "عارفة كل حاجة".

تم نسخ الرابط