مشى ورى ابنه
ويفضل يساعد من بعيد.
يتجنب الدوشة.
يتجنب الوجع اللحظي.
بس يفضل عايش في كذبة.
محمود غمض عينيه لحظة.
مفكرش في شركته.
مفكرش في منظره قدام الناس.
فكر في ياسين.
في الطريقة اللي قسم بيها لقمته من غير ما حد يطلب منه.
في الطريقة اللي أعطى بيها من غير ما يستنى شكر.
في الطريقة اللي عمل بيها الصح حتى وهو صعب.
لما فتح عينيه، كان خلاص قرر.
ياسين... قال بصوت قوي، احنا لازم نتكلم.
بس مش هنا.
مش دلوقتي.
مش قدام صوفيا.
لأن فيه حقائق مبيصحش تتقال على دكة في جنينة.
بتتقال في حتة مفيش فيها مفر.
مفيش فيها تمثيل.
محمود بص ل صوفيا آخر مرة.
أنا هطمن عليكي وهتأكد إنك كويسة، قال من غير ما يشرح أكتر.
هي هزت راسها، مش فاهمة أوي، بس حاسة إن فيه حاجة كبيرة اتغيرت.
ياسين قام ببطء.
بص لأبوه، وبعدين ل صوفيا.
كان عارف إن اللي جاي مش سهل.
بس كان عارف حاجة تانية.
إن اللحظة دي...
الثانية دي بالظبط...
هتغير حياتهم كلهم للأبد.
مشيوا في طريق الرجوع للبيت في صمت، واحد جنب التاني، بس بينهم مسافة مش متشافة ملهاش علاقة بالخطوات.
محمود كان عايز يتكلم، بس كل جملة بيحاول يركبها كانت بتقع قبل ما تطلع، وكأن مفيش كلام كفاية عشان يفسر اللي هيحصل.
ياسين من ناحيته، كان باصص قدامه، وإيديه في جيوبه، كأنه بيستعد لحاجة كان خايف منها من زمان.
لما وصلوا، البيت كان باين إنه أوسع من العادي،
محمود رمى المفاتيح على الترابيزة بصوت رن في المكان، إشارة إن خلاص مفيش مهرب.
اقعد، قالها وهو بيشاور على الكنبة.
ياسين سمع الكلام، بس قعد وهو مشدود، مستعد يقوم في أي لحظة لو الكلام بقى تقيل عليه.
محمود فضل واقف شوية، بيبص له، بيحاول يشوف ابنه اللي كان فاكر إنه عارفه، وفي نفس الوقت بيتقبل فكرة إن المعرفة دي مكنتش كفاية.
أنا شوفتها، قالها في الآخر.
محتاجش يشرح أكتر.
ياسين نزل راسه ببطء.
أنا عارف، رد بصوت واطي.
الرد ده فاجئ محمود أكتر من أي حاجة تانية.
عارف إزاي؟
عشان بطلت تمثل إنك مش واخد بالك، ياسين رفع راسه، قبل كده مكنتش بتلاحظ أي حاجة.
الكلام مكنش فيه هجوم، بس كان له وزن محمود مقدرش يطنشوا.
طب ومن إمتى وأنت عارف إني بمشي وراك؟
من تاني يوم.
محمود أخد نفس عميق، وحس إن الموضوع معقد أكتر مما كان يتصور.
طيب... وليه كملت وبتروح برضه؟
ياسين سكت ثانية.
عشان هي محتاجاني أكتر منك.
السكوت اللي حصل بعد كده كان مختلف.
مكنش فيه شك.
كان فيه حقائق مفيش مفر منها.
محمود حس بالخبطة في صدره، ومقدرش يدافع عن نفسه.
لأنه في الحقيقة عارف إن ياسين معاه حق.
أنت عارف هي مين بجد؟ محمود سأل بصوت واطي أوي.
ياسين عقد حواجبه.
أكيد عارف هي مين.
لأ، محمود هز راسه ببطء، أنت متعرفش.
الجو
ياسين اتعدل في قعدته، وبقى مركز، بخوف وفضول.
طيب قولي.
محمود مشي لحد الشباك، وبص بره كأنه محتاج مساحة عشان يقدر ينطق الكلام اللي هرب منه سنين.
قبل ما أنت تتولد... كان ليا حياة تانية.
ياسين منطقش، بس كان بيسمع بكل كيانه.
كان فيه حد، كمل محمود، حد كان مهم. بس أنا مكنتش جاهز للي جاي. مكنتش عايز مسؤولية. مكنتش عايز أربط نفسي.
كل كلمة كانت بتطلع أصعب من اللي قبلها.
عشان كده مشيت.
السكوت رجع، بس المرة دي كان سكوت ضروري.
هي كانت حامل، محمود قالها في الآخر.
ياسين فتح عينيه على الآخر، بس مقاطعوش.
عمري ما عرفت حصل إيه بعد كده. ولا حبيت أعرف. أقنعت نفسي إن ده الأحسن... وإن كده الحياة هتبقى أسهل.
محمود لف لابنه ببطء.
بس النهاردة... لما شوفت الصورة دي... فهمت كل حاجة.
ياسين فضل ثابت مكانه.
أنت بتقول إيه؟ سأل وهو شبه بيهمَس.
محمود بص له في عينيه مباشرة.
صوفيا... تبقى أختك.
الزمن وقف في اللحظة دي.
مفيش رد فعل سريع.
مفيش زعيق.
مجرد نظرة طويلة، بيحاول فيها ياسين يستوعب معلومة مش راكبة على أي حاجة كان عارفها عن حياته.
لأ، قال
في الآخر وهو بيهز راسه، مش ممكن.
هي دي الحقيقة.
أنت متأكد؟
أيوه.
ياسين قام فجأة، وبدأ يمشي في الصالة من غير اتجاه، كأن المكان مبقاش واسع يشيل اللي حاسس بيه.
يعني... كل ده... صوته اتهز، كل ده وهي لوحدها...
مكملش الجملة.
مكنتش محتاجة تتقال.
محمود نزل عينه في الأرض.
أيوه.
ال أيوه دي كانت اعتراف كامل.
من غير حجج.
من غير دفاع.
ياسين وقف مكانه، بيتنفس بصعوبة، بيحاول يقرر يعمل إيه بالسر ده.
وجت اللحظة الأصعب.
اللحظة اللي ملهاش رد نموذجي.
هتقول لها؟ ياسين سأل في الآخر.
محمود مردش فوراً.
لأن ده هو القرار الحقيقي.
الموضوع مش بس اعتراف بالماضي.
الموضوع هو مواجهته.
لو قال ل صوفيا، حياتها هتتشقلب.
هيديها حاجة كانت ناقصاها دايماً... بس هيجبرها تواجه حكاية توجع.
ولو مقالش، هيحميها من الوجع ده دلوقتي.
بس هيفضل مخبيها في الضلمة.
مش عارف، اعترف محمود.
ياسين بص له بذهول وخيبة أمل.
مش عارف؟
الموضوع مش بالبساطة دي.
لأ، بسيطة، ياسين رد بحزم، هي حقها تعرف الحقيقة.
محمود هز راسه ببطء.
ساعات الحقيقة مابتساعدش. ساعات بتهد حاجات مابتتصلحش.
زي ما أنت عملت؟ ياسين قالها بصوت هادي، بس كانت دقيقة وبتوجع أكتر من الصريخ.
محمود مردش.
لأنه ملقاش رد.
السكوت طول تاني.
بس المرة دي، ياسين قرب خطوة.
أنا مش هكذب عليها، قال، لو أنت مقلتش، أنا هقول.
الجملة دي قلبت الموازين.
لأن القرار مبقاش في إيد محمود لوحده.
الوقت ضاق.
الزمام بدأ يفلت من إيده.
واللحظة اللي هرب منها سنين بقت قدامه، ومفيش منها مخرج.
محمود رفع راسه.
لأول مرة، شاف ابنه مش كطفل، شاف شخص قادر ياخد قرارات هو
وفهم حاجة مهمة أوي.
إن عدم القرار... هو في حد ذاته قرار.
والقرار ده ممكن يهد الشوية اللي لسه ممكن ينقذهم.