مشى ورى ابنه
محمود منامش الليلة دي، رغم إن الساعات كانت بتعدي ببرود والبيت كان غرقان في سكون غريب، وكأن مفيش عاصفة وبراكين شغالة جواه.
فضل قاعد في مكتبه، والأنوار مطفية، بيبص لخيال صورته المهزوز على شباك الإزاز، وبيحاول يفهم هو إمتى بطل يعرف ابنه بجد؟
هو بنى شركات من الصفر، ودخل في صفقات بملايين، وأخد قرارات مصيرية بتخص حياة مئات الموظفين، بس دلوقتي مش عارف يفسر حركة بسيطة زي إن طفل بيقسم لقمته مع بنت على دكة في جنينة.
تاني يوم الصبح على الفطار، قعد يراقب ياسين بتركيز مكنش موجود قبل كده؛ كان بيلاحظ كل حركة صغيرة، كل سكتة، كل نظرة عين ابنه بيحاول يهرب بيها منه.
ياسين كان كلامه قليل، بيرد على قد السؤال، بيبتسم لما الموقف يحتاج، بس كان فيه حاجة جديدة في طريقته، حاجة محمود فهم دلوقتي إنها مسافة ابنه راسمها بدقة.
مقالش ولا كلمة.
مسألش عن أي حاجة.
بس قرر يمشي وراه تاني.
في اليوم التاني، كرر نفس الطقوس ركن بعيد، استخبى، استنى خروج المدرسة، وراقب ابنه وهو ماشي في السكة اللي خلاص حفظها.
المرة دي محمود قرب أكتر، لدرجة إنه قدر يسمع شذرات من الكلام لما ياسين وصل الجنينة وقعد جنب البنت.
كنت فاكرة إنك مش هتيجي، البنت قالتها بصوت واطي، مكنش فيه عتاب، كان فيه خوف من إنها ترجع لوحدها تاني.
أنا باجي دايما، ياسين رد من غير تردد، وكأن الوعد ده قانون مبيكسروش.
محمود حس بغصة في حلقه.
الموضوع مكنش مجرد جدعنة عابرة.
ده كان التزام.
دي كانت حالة مستمرة بقالها فترة.
خلال الدقائق اللي بعد كده، محمود شاف ياسين وهو مش بس بيقسم معاها الأكل، ده كان بيحكي لها حكايات، وبيضحكوا ضحك مكتوم،
البنت مكنتش غريبة.
كانت حد مهم بالنسبة له.
لما ياسين طلع الفلوس عشان يديها لها، محمود لاحظ حاجة مختلفة المرة دي البنت هزت راسها بالرفض في الأول، وكأنها مش عايزة تقبل.
مش هقدر آخد منك أكتر من كده، همست وهي بتبص لإيديها.
دي مش ليكي، ياسين رد بحزم مفاجئ، دي عشان الحاجات اللي محتاجاها.
البنت بصت له، وعينيها كانت بتلمع بحاجة محمود معرفش يسميها إيه.
وفي الآخر، وافقت وأخدتها.
الحركة دي، والمقاومة البسيطة منها، غيرت حاجة جوا محمود.
مبقاش قادر يقنع نفسه إنها مجرد مساعدة لفقيرة بالصدفة.
أكيد فيه حكاية ورا الموضوع.
وقرر إنه لازم يوصل لها.
في اليوم التالت، محمود عمل حاجة تانية.
مستخباش أوي.
قرب لدرجة إنه يشوف ملامح البنت أوضح، عشان يلقط أي خيط يربط المشهد ده بحياته الشخصية.
وهنا حصلت الحاجة اللي جمدت الدم في عروقه.
البنت طلعت صورة قديمة ومكرمشة من شنطتها وفرجتها ل ياسين.
محمود ضيق عينيه وهو بيحاول يشوف من بعيد.
بس محتاجش يشوفها بوضوح.
لأنه عرف حاجة مستحيلة.
الراجل اللي في الصورة...
كان هو.
الدنيا وقفت ب محمود.
مش بشكل درامي زي الأفلام، بس بشكل ساكت، زي فكرة لما تيجي في بالك وتهد كل اللي كنت فاكره صح في حياتك.
رجع لورا غصب عنه، واستخبى تاني، وهو بيتنفس بسرعة مش قادر يسيطر عليها.
مفيش منطق.
مش ممكن يكون ليها معنى.
بس الصورة مكنش فيها شك.
ليلتها، محمود رجع مكتبه، بس المرة دي مكنش ساكت.
فتح أدراج ملمسهاش من سنين، دور في ورق قديم، وصور منسية، وذكريات كان دافنها قصد تحت
ولقى اللي كان خايف منه.
صورة.
واحدة ست.
وقت كان قرر يرميه وراه وميبصش وراه أبداً.
كان اسمها ليلى.
وكانت حامل لما هو اختفى من حياتها.
محمود غمض عينيه وجز على سنانه.
أخد القرار ده من سنين، وكان مقتنع إنه الصح، وإنه مكنش جاهز، وإن حياته لازم تمشي في طريق تاني.
عمره ما سأل إيه اللي حصل بعدها.
عمره ما حب يعرف.
لحد اللحظة دي.
تاني يوم، ممشيش ورا ياسين.
فضل في البيت.
مستني.
مراقب.
بيوزن كل كلمة بتطلع من ابنه كأنها كود سري ممكن يكشف المستور.
المدرسة كانت عاملة إيه النهاردة؟ محمود سأل بهدوء مصطنع.
تمام، ياسين رد وهو باصص في طبقه.
متأكد؟
أيوه.
ال أيوه دي مكنتش كذبة.
بس مكنتش الحقيقة كاملة.
محمود عرف ده في لحظتها.
وفهم إن القرار اللي قدامه مش سهل.
ممكن يواجه ياسين.
يطلب منه ردود.
يكشف اللي عرفه.
أو يفضل يراقب، ويستنى، ويفهم الحكاية كلها قبل ما يهد حاجة ممكن ميعرفش يصلحها تاني.
لمدة يومين كمان، اختار السكوت.
بس السكوت بدأ يوجعه أكتر من أي حقيقة.
أخيراً، يوم الجمعة، رجع الجنينة.
المرة دي مستخباش.
مشى بخطوات ثابتة ناحية الدكة.
كل خطوة كانت أتقل من اللي قبلها، كأنه ماشي ناحية حاجة هتغير حياته للأبد ومافيش رجوع فيها.
ياسين هو اللي شافه الأول.
ملامحه اتجمدت.
والبنت هي كمان لفت راسها وهي مستغربة.
محمود وقف قدامهم.
محدش نطق لثواني كانت كأنها سنين.
بابا... ياسين همس، وصوته كان خليط من المفاجأة والخوف.
محمود بص للبنت.
قعد يتأملها بتركيز مرعب، بيدور في وشها على أي علامة تأكد اللي هو عارفه أصلاً.
ولقاها.
في عينيها.
في الطريقة اللي بتبص بيها.
في حاجة مبيعرفش حد يمثلها.
اسمك إيه؟ محمود سأل بصوت أهدى مما كان يتوقع.
صوفيا، ردت وهي مترددة.
الاسم ده قفل الدايرة تماماً.
لأنه هو.
لأنه راكب على الحكاية.
لأنه مفيش مجال للإنكار أكتر من كده.
محمود حس إن الهواء قل في صدره، بس جمد نفسه.
هو يقرب لك إيه؟ سأل وهو بيشاور على ياسين.
صوفيا بصت ل ياسين الأول كأنها بتستأذنه.
هو... صاحبي.
محمود هز راسه ببطء.
وبعدين بص لابنه.
من إمتى؟
ياسين
نزل عينيه في الأرض.
من شهرين.
وليه مقلتليش؟
سكوت.
سكوت مليان بكلام ياسين مش عارف يشرحه.
وفي الآخر اتكلم.
عشان كنت عارف إنك مش هتفهم.
الجملة دي وجعت أكتر من أي اتهام.
محمود أخد نفس عميق.
كان عارف إن دي اللحظة.
اللحظة اللي هترسم كل اللي جاي.
ممكن يقول الحقيقة.
ممكن يعترف صوفيا تطلع مين بجد.
يواجه الماضي اللي هرب منه سنين.
أو يسكت.
يحافظ على صورته قدام ابنه.
يحمي حياته اللي بناها.
يا بابا... ياسين قال وهو بيرفع عينه، هي ملهاش حد.
محمود حس بنغزة في قلبه.
لأنه عارف إن الجملة دي مش صح تماماً.
عشان هو موجود.
بس عارف برضو إنها في الواقع صح.
لأنه هو اللي قرر ميكونش موجود.
مامتها تعبانة، ياسين كمل، ومعهومش فلوس.
صوفيا حضنت الشنطة أكتر، وهي محرجة من الكلام.
محمود بص لها.
ولأول مرة، مشافش مجرد طفلة غلبانة.
شاف نتيجة.
قرار قديم راجع له دلوقتي بكل تقله.
الدنيا موقفتش.
هي بس كانت مستنية.
بتجيب الفلوس منين؟ محمود سأل وهو بيبص ل ياسين.
ياسين تردد.
من اللي بتديهولي... ومن اللي بحوشه.
محمود هز راسه.
ده فسر حاجات كتير.
بس محلسش أصل المشكلة.
السكوت رجع تاني.
سكوت مليان احتمالات.
محمود
كان ممكن يقول دي أختك.
ويقلب الدنيا.
أو يخبي السر ده.