وانا بنضف تربة امي

لمحة نيوز

خلفي للمدافن.
كان المطر بيضرب الأرض، والطين ماسك في رجلهم.
فضلوا يجروا لحد ما وصلوا لمخزن مهجور قريب.
جوه المخزن، منى قالت
خالي كان شريك أبوك في شركة كبيرة. أبوك اكتشف إنهم بيزوّروا حسابات وبيهربوا فلوس.
كريم قال
يعني خطفوني علشان الفلوس؟
لأ.
طلعت من جيبها قصاصة جريدة قديمة.
أبوك كان مخبي مستندات تثبت كل حاجة. والمستندات دي اختفت يوم اختفائك.
كريم بص لها.
ومين كان عارف مكانها؟
منى سكتت.
فاطمة.
رجع كريم للمدافن تاني قبل الفجر.
وقف قدام قبر فاطمة.
كان طول عمره بيعتبر القبر ده آخر حاجة تربطه بأمه.
لكن لأول مرة، بدأ يشك إن فاطمة يمكن تكون سابت له جواب.
افتكر حاجة قديمة.
وهو صغير، كانت فاطمة دايمًا تقول له
لو في يوم الدنيا ضاقت عليك، افتكر إن أمك ما سابتلكش غير مكان واحد آمن.
كريم عمره ما فهم الجملة.
لكن دلوقتي فهم.
مكان واحد آمن.
بص ناحية المقبرة.
وبدأ يفتش.
بعد ساعة من الحفر جنب السور، خبطت إيده في جسم معدني.
طلع صندوق صغير مدفون تحت الأرض.
فتح الصندوق.
جواه شريط كاسيت قديم.
وعليه ورقة
لكريم لما يعرف الحقيقة.
عم رجب جاب له جهاز قديم يشغل الشريط.
اشتغل التسجيل.
وصوت فاطمة طلع متقطع
كريم لو سمعت صوتي، يبقى أنا متّ ومابقاش ينفع أشرحلك.
كريم غمّض عينه.
أنا غلطت آه. خدتُك من أمك. وخدت فلوس مقابل ده. لكن بعدين اكتشفت إنهم ماكانوش عايزينك أنت كانوا عايزين أبوك يموت من غير ما يعرف إنك عايش.
منى حطت إيدها على بوقها.
فاطمة كملت
محمود كان مخبي المستندات في حاجة محدش هيفكر يدور فيها شهادة ميلادك.
كريم فتح عينه فجأة.
فاطمة قالت
لكن لما خفت عليهم منك، خبّيت شهادة ميلادك ومفتاح المكان. لو وصلت لك الحقيقة، دور على الاسم المكتوب خلف الصورة.
انتهى التسجيل.
كريم مسك الصورة القديمة.
قلبها.
وكان فيه رقم مكتوب بالقلم
17 4 2006
ومكان صغير مكتوب تحته
محطة طنطا القديمة الخزنة 12.
في نفس اليوم، راح كريم ومنى للمحطة القديمة.
وصلوا لخزنة رقم 12.
المفتاح دخل.
فتحوا الباب.
جواها ملف أسود.
كريم فتحه.
مستندات.
حسابات.
صور.
تسجيلات.
وأهم حاجة
شهادة ميلاده الأصلية.
لكن كان فيه ورقة أخيرة.
كريم قرأها.
ثم رفع عينه ببطء.
ماما
منى قالت
في إيه؟
فاطمة ما كانتش اللي خطفتني لوحدها.
أمال مين؟
كريم حط الورقة قدامها.
اسم الشخص المكتوب عليها كان
خاليك السيد.
منى تجمدت.
أخويا؟
وفجأة، صوت من وراهم
أيوه.
لفّوا.
كان السيد واقف عند باب المحطة.
ومعه رجلين.
قال
وكنت أتمنى إنك ماتعرفش ده أبدًا.
كريم وقف قدام منى.
إنت عملت إيه؟
السيد ضحك.
أنا ما عملتش حاجة. أنا بس خلّيت فاطمة تاخدك بعيد. لكن محمود كان أذكى مني.
كريم رد
محمود عرف؟
وعرف كل حاجة.
وإنت قتلته؟
السيد سكت.
وده كان كفاية.
منى صرخت
إنت قتلت أخويا؟!
السيد قال ببرود
كان لازم يموت.
لكن قبل ما يتحرك، ظهرت أضواء عربيات الشرطة من آخر الطريق.
عم رجب كان سجّل اعترافه من أول لحظة دخل فيها.
السيد حاول يهرب.
لكن الشرطة قبضت عليه وعلى الرجلين اللي معاه.
بعد شهور، ظهرت الحقيقة كاملة.
السيد كان متورط في شبكة اختلاس وتزوير كبيرة.
محمود اكتشفها.
ولما حاول يفضحهم، اتقتل.
أما كريم، فكان الورقة الوحيدة اللي ممكن تثبت إن محمود كان عنده وريث قانوني وحق في أمواله.
فخطفوه وهو رضيع، وحاولوا يختفوا بيه للأبد.
فاطمة أخدته مقابل فلوس.
لكن لما عرفت إنهم ناويين يقتلوا محمود، خافت.
فهربت بكريم.
وعاشت عمرها كله خايفة.
ماقالتش الحقيقة لأنها كانت عارفة إن الناس دي هتوصله لو عرفوا مكانه.
أما منى
ففضلت عشرين سنة تدور على ابنها.
بعد سنة، كان كريم واقف قدام قبر فاطمة.
المرة دي ماكانش بينضفه وهو غاضب.
كان ماسك وردة.
منى كانت واقفة جنبه.
قال كريم
كانت غلطانة.
منى هزت راسها.
آه.
وخطفتني.
آه.
بس أنقذتني في الآخر.
منى دمعت.
يمكن ربنا خلاها تاخدك عشان في النهاية ترجّعكلي.
كريم حط الوردة على القبر.
وقال
أنا مش هقدر أنسى اللي عملته بس مش هقضي باقي عمري أكرهها.
وبعدين لفّ لمنى.
لأول مرة في حياته، قال الكلمة اللي كان عمره ما نطقها
ماما.
منى انهارت في حضنه.
بعد كام سنة، كريم استخدم جزء من ميراث والده في تأسيس دار لرعاية الأطفال اللي مالهمش أهل.
وسماها
فاطمة ومحمود.
ولما الناس سألته ليه اختار اسم فاطمة رغم كل اللي عملته، ابتسم وقال
عشان بعض الناس ممكن يبدأوا حياتهم بغلط كبير لكن اللي يهم هو آخر قرار أخدوه.
وبعد افتتاح الدار، كريم رجع للمقابر للمرة الأخيرة.
وقف قدام قبر فاطمة.
وقال
كنتِ أمي بالغلط بس أنا كنت ابنك بجد.
وساب وردة ومشي.
لكن قبل ما يخرج من المدافن، لمح حاجة صغيرة جنب القبر.
ظرف أبيض.
فتحه.
وكان جواه سطر واحد بخط فاطمة
سامحني يا ابني أنا عارفة إن الحقيقة هتوجعك، بس كنت خايفة أموت من غير ما تعرف إنك أغلى حاجة عملتها صح في حياتي.
كريم قرأ الرسالة مرتين.
وبعدين طواها وحطها في جيبه.
ومشي.
المرة دي، ماكانش شاب مش لاقي مكان ينام فيه.
كان عنده بيت.
وأم رجعتله بعد عشرين سنة.
وحقيقة مدفونة تحت قبر
غيّرت حياته كلها.

تم نسخ الرابط