وانا بنضف تربة امي

لمحة نيوز

وأنا بنضّف تربة أمي، أنا شاب مش لاقي مكان أنام فيه، سمعت واحدة بتعيط من ورايا بشكل هستيري. أول ما لفيت، بصّتلي وهمست
أنا بدوّر عليك بقالي 20 سنة.
ما جادلتهاش. حطيت الفرشة على جنب، وأخدت الصورة القديمة اللي مدّتهالي من غير ما أتخيل إن الصورة دي مخبّية سر يخليني أشك في كل حاجة عشتها طول عمري.
الجزء الأول
الست دي مش أمك دي خطفتك وإنت لسه عندك شهر واحد.
كريم حس إن نفسه اتقطع.
كان عنده عشرين سنة، ومش لاقي له مأوى ثابت. كل يوم بينام في مكان شكل. وفي عصر يوم من أيام أكتوبر، كان رايح مدافن البلد في طنطا، ومعاه جردل بوية سودا كان عم رجب، حارس المدافن، ادّاهوله.
كل سنة كان بيروح ينضّف قبر فاطمة، الست الوحيدة اللي عرفها طول عمره على إنها أمه.
فاطمة ماتت من تمان سنين، وهو كان عنده 12 سنة وقتها، بعد شهور طويلة من الكحة والسخونية. ماكانوش قادرين يعالجوها كويس، لأن حياتهم كانت كلها تنقّل من أوضة لأوضة، وفاطمة طول عمرها كانت بتبعد عن المستشفيات والمصالح الحكومية.
كان كريم بيحك الصدأ من على سور القبر، لما سمع صوت عياط وراه.
لفّ بسرعة، فلقى ست شيك، شكلها في أواخر الأربعينات، لابسة بالطو كحلي وجزمة غالية غرقت في الطين، ووشها غرقان في الدموع وهي واقفة قدام قبر فاطمة.
قال لها ببرود
لو بتدوري على مدفن حد اتدفن جديد، المدافن الجديدة من الناحية التانية.
الست هزّت راسها.
أنا جاية علشانها.
كريم وقف على رجله.
حضرتك تعرفيها؟
الست قبضت على المنديل اللي في إيدها وقالت بصوت مكسور
أعرفها أكتر مما تتخيل الست دي دمّرت حياتي.
كريم اتعصّب فورًا.
خلي بالك من كلامك. أمي دي كانت بتشقى علشاني. كانت ممكن تبات من غير أكل عشان تخليني آكل.
الست بصّتله بتركيز غريب.
بصّت في عينيه وبعدين لأنفه وفكّه وحتى لطريقة تضييقه لعينه وهو متضايق.
وفجأة وشّها اصفر.
يا نهار أبيض
كريم عقد حواجبه.
مالك؟
همست
إنت شبه محمود أوي.
محمود مين؟
الست قربت منه خطوة.
إنت اسمك كريم؟
كريم اتوتر.
وإنتِ مالك باسمي؟
الست ردت بصوت مرتعش
عشان أنا اللي سميتك كريم يوم ما اتولدت.
كريم ضحك ضحكة قصيرة مليانة سخرية.
حضرتك شكلك تعبانة ومحتاجة تروحي مستشفى.
لكن الست ما ردتش.
ركبها خانتها، ووقعت على الأرض وسط الورق المبلول.
عم رجب جري عليها وساعدها لحد أوضة الحارس.
في اللحظة دي كانت الدنيا برّه قامت عليها عاصفة، والمطر نزل بغزارة.
جوه الأوضة، وسط ريحة القهوة البايتة والخشب المبلول، الست فتحت عينيها وبصّت لكريم تاني.
أنا اسمي منى السيد وبقالي عشرين سنة بدوّر عليك.
كريم خبط بإيده على الترابيزة.
أمي مدفونة برّه!
فاطمة حبتك، وأنا مش هنكر ده. بس هي ما كانتش تقدر تخلفك.
كريم سكت.
منى كملت
كانت عقيمة من وهي صغيرة. إنما أنا أنا اللي ولدتك. وبعد ما اتولدت بشهر، فاطمة اختفت بيك.
كريم حس إن حاجة جواه اتكسرت.
منى فتحت شنطتها وطلعت صورة قديمة.
كانت فيها بنت صغيرة جدًا، باين عليها التعب، نايمة على سرير مستشفى، وشايلة طفل لسه مولود ملفوف في بطانية بيضا.
وجنبها كانت فاطمة وهي أصغر بكتير، وواقفة بتبتسم.
كريم مسك الصورة بإيد بتترعش.
إيه ده؟
منى بصّتله في عينه.
دي بداية الحكاية كلها.
وبعدين قالت جملة خلت كل ذكرى في دماغ كريم تتحول لسؤال
فاطمة ما أنقذتكش من حد يا كريم هي اتدفعلها فلوس عشان تخطفك. وبعد كده خانت الناس اللي شغّلوها.
كريم بصّ من خلال إزاز الشباك ناحية القبر.
المطر كان بيخبط على السقف بعنف، كأنه عايز يهدّ المكان كله.
كان لسه مش قادر يصدّق اللي بيسمعه
وماكانش يعرف إن الحقيقة اللي هتقولها منى بعدها، أخطر بكتير من مجرد إنه اتخطف وهو طفل.
أنا اسمي منى السيد وبقالي عشرين سنة بدوّر عليك.
كريم فضل ساكت.
الكلام كان تقيل لدرجة إنه ماعرفش حتى يرد.
بص للصورة مرة تانية، وبعدين رفع عينه لمنى.
لو إنتِ أمي ليه سبتيّني؟
منى شهقت، ودموعها نزلت.
أنا ما سبتكش يا كريم أنا كنت فاكرة إنك ميت.
سكتت لحظة، وبعدين قالت
يوم ولادتك، حصلت مشكلة في المستشفى. أنا كنت تعبانة جدًا، والدكتور قالي إن ابنك محتاج حضّانة، وإن المصاريف كبيرة. أنا كنت أرملة، وماكانش معايا جنيه.
وبعدها؟
فاطمة كانت شغالة عندي في المستشفى. كانت بتساعدني. قالتلي إنها هتجيبلك حضّانة في مستشفى تانية، وإنها هتتصرف.
كريم حس بقشعريرة.
وخدتني؟
منى هزت راسها.
خدتَك بس مش لوحدها.
وقبل ما تكمل، عم رجب دخل الأوضة وقفّل الباب وراه.
قال بصوت واطي
أنا لازم أقولك حاجة يا كريم.
كريم بص له.
إنت عارف؟
عم رجب بلع ريقه.
أبوك الحقيقي اسمه محمود.
منى بصتله بسرعة.
محمود مات من عشرين سنة!
عم رجب رد
مات رسميًا لكن قبل ما يموت بأيام، ساب حاجة عندي.
كريم وقف.
إيه؟
عم رجب راح ناحية دولاب خشب قديم، وطلع صندوق صاج صغير عليه طبقة تراب.
حطه قدام كريم.
أبوك سلّمهولي قبل وفاته بيومين، وقاللي لو ابني ظهر في يوم من الأيام، سلّمهوله بنفسك.
كريم فتح الصندوق.
جواه ظرف بني، ومفتاح صغير، وورقة مطوية.
فتح الورقة.
وكان مكتوب بخط مهزوز
يا ابني لو إنت بتقرأ الكلام ده، يبقى أنا فشلت أحميك.
كريم حس بإيده بتترعش.
كمل القراءة
أمك منى ما تعرفش كل الحقيقة. وفاطمة مش أخطر شخص في الحكاية.
كريم رفع عينه لمنى.
مين أخطر؟
منى ما ردتش.
وفجأة سمعوا صوت عربية وقفت قدام المدافن.
عم رجب بص من الشباك.
وشه اتغير.
إحنا لازم نمشي دلوقتي.
ليه؟
العربية دي تبع ناس أنا عارفهم.
منى قربت من الشباك، وأول ما شافت الراجل اللي نزل منها، رجعت خطوة لورا.
مستحيل
كريم سأل
مين ده؟
منى همست
أخويا.
خالك؟
أيوه.
وسكتت لحظة قبل ما تقول
وهو آخر واحد كان يعرف مكانك قبل ما تختفي.
خرجوا من باب

تم نسخ الرابط