بعد 14 ساعه ولاده

لمحة نيوز

— أيوه.

— سلمى، اعملي اللي اتفقنا عليه.

أمي بصتلي.

— اتفقتوا على إيه؟

ما جاوبتش.

قفلت المكالمة.

أمي قربت مني.

— إنتِ مخبية إيه؟

ابتسمت لأول مرة.

— الحقيقة.

طلعت ورقة تانية.

كانت تقرير مراجعة مالية.

— من كام شهر، وأنا وجوزي بدأنا نسأل نفسنا سؤال بسيط: ليه أنا بشتغل طول اليوم، وبرغم كده كل مرة ألاقي نفسي بدفع؟

أمي ما اتكلمتش.

— فراجعنا الحسابات.

حطيت الورقة قدامها.

— وطلع إن في تحويلات اتعملت من حسابي من غير علمي.

أمي رفعت عينيها بسرعة.

— أنا ما...

— ما قولتش إنك عملتيها.

سكتت.

— بس عارفة مين عملها؟

دخل صوت من خلف الباب.

— أنا.

اتجمدت.

مها.

كانت واقفة عند الباب.

وعينيها مليانة غضب.

— إنتِ اللي طلبتي منها الـ30 ألف؟

بصتلي وقالت: — أيوه.

— وليه؟

— عشان أولادي.

— لأ.

بصيت في عينيها.

— عشان دي كانت آخر مرة عايزة تختبري فيها إذا كنت لسه هخاف منكوا.

مها سكتت.

أمي صرخت: — اسكتي يا سلمى!

لكن المرة دي أنا اللي رفعت صوتي:

— لأ!

فريدة بدأت تعيط تاني.

سكتنا كلنا.

روحت لها، شيلتها، وهديتها.

وبعدين رجعت لهم.

— أنا دفعت عشر سنين.

— عشر سنين وأنا بشتغل وأحرم نفسي وأقول "دي عيلتي".

— كل مرة كنتوا تقولوا "آخر مرة".

— وكل مرة كانت بتبقى أول مرة جديدة.

مها قالت ببرود: — يعني عايزة تقطعي أهلك؟

بصيت لها.

— أنا مش بقطع أهلي.

— أنا بقطع الاستغلال.

سكتت.

وبعدين طلعت آخر ورقة من الملف.

— ودي بقى اللي جيتوا عشانه النهارده.

مها قربت.

— إيه؟

— إخطار رسمي من البنك.

وشها اتغير.

— إنتِ عملتي إيه؟

— أوقفت كل التفويضات.

أمي شهقت.

— وكمان كلمنا محامي.

مها بدأت تتوتر.

— محامي ليه؟

— لأن في ديون اتسددت من حسابي على إنها مصاريف عائلية، وأنا عندي إثبات إن جزء منها كان خاص بيكي.

قالت بسرعة: — إنتِ هتشتكيني؟

— لو رجعتي فلوس مش هحتاج.

سكتت.

ثم قالت: — وإنتِ فاكرة إنك كده كسبتي؟

بصيت لها بهدوء.

— لأ.

— أنا أخيراً بطلت أخسر.

سكتت.

بعد دقائق، خرجوا.

قفلت الباب وفضلت واقفة وراه.

رجلي كانت بتترعش.

مش من الخوف.

من الإحساس الغريب إن عشر سنين من عمري كانوا واقفين على الناحية التانية من الباب.

بعد يومين، جوزي رجع.

أول ما دخل، ما سألنيش عن الفلوس.

ولا عن أمي.

ولا عن مها.

جري على فريدة.

شالها، وفضل يبوس في راسها.

وبعدين بصلي.

— فخورة بيكي.

دموعي نزلت.

— كنت خايفة.

— طبيعي.

— كنت خايفة أبقى بنت وحشة.

ابتسم.

— البنت الوحشة مش بتخاف إنها ظلمت أهلها.

سكت لحظة.

وبعدين قال: — إنتِ بس اتعلمتي الفرق بين إنك تساعدي حد، وإنك تسمحي له يستهلكك.

عدت الشهور.

مها اضطرت تبيع العربية الغالية وتسدد جزء من ديونها.

أمي بطلت تبعت رسائل الفلوس.

لكنها ما بطلتش تحاول.

مرة تتصل وتعيط.

مرة تقول إني اتغيرت.

مرة تبعت قرايب يحاولوا يصلحوا بينا.

كنت كل مرة أقول نفس الجملة:

— باب بيتي مفتوح لأي حد جاي يشوفني ويحترمني. إنما الفلوس انتهت.

وبعد سنة، حصل شيء ما كنتش متوقعاه.

مها اتصلت.

كنت مترددة أرد.

رديت.

سكتت فترة طويلة.

وبعدين قالت:

— سلمى؟

— أيوه.

— أنا... عايزة أعتذر.

ما اتكلمتش.

— مش عشان الفلوس.

— عشان إيه؟

قالت بصوت مكسور:

— عشان اكتشفت إن أنا وأمي كنا بنعتبر إن فلوسك حق مكتسب لينا.

سكت.

— ولما وقفتيها، أنا اتضايقت منك.

ضحكت بحزن.

— بس دلوقتي فهمت إن اللي كان غلط مش إنك وقفتي الفلوس.

— الغلط إننا عمرنا ما سألناكي إنتِ محتاجة إيه.

عيني دمعت.

لكن المرة دي ما جريتش عليها.

ما اعتذرتش.

ما وعدتهاش بحاجة.

قلت بس:

— لو عايزة نبدأ من جديد، نبدأ من غير فلوس.

سكتت.

ثم قالت:

— موافقة.

قفلت المكالمة.

روحت أوضة فريدة.

كانت نايمة.

وقفت جنب سريرها، وبصيت لوشها الصغير.

افتكرت أول رسالة من أمي.

"ابعتي الـ30 ألف الليلة دي."

وافتكرت نفسي وقتها.

ست عندها 32 سنة، لسه والدة، متوجعة، لوحدها، ومع ذلك أول حاجة فكرت فيها:

"يمكن أنا اللي غلطانة."

ابتسمت.

لأول مرة فهمت إن بعض العائلات مش بتفقدك لما تقول "لأ".

هي بتكشف لك مين كان موجود جنبك فعلًا، ومين كان موجود عشان ياخد.

ومن يومها، ما بقيتش سلمى اللي كل ما حد يقول "إحنا أهلك" تفتح محفظتها.

بقيت سلمى اللي لما بنتها تكبر وتسألها:

"ماما، يعني إيه تكوني قوية؟"

هتقول لها:

"القوة مش إنك تستحملي كل حاجة."

"القوة إنك تعرفي إمتى تحطي حد، حتى لو الشخص اللي قدامك هو أقرب حد ليكي."

وبصيت لفريدة وهي نايمة.

وقلت لها بصوت واطي:

— أنا مش هورثك فلوس بس يا حبيبتي.

— أنا هورثك حاجة أهم.

— حقك تقولي "لأ".

وفي اللحظة دي، عرفت إن الخيط اللي اتقطع يومها ما كانش خيط العيلة.

كان خيط الخوف.

وأنا لأول مرة في حياتي...

كنت حرة.

تم نسخ الرابط