جوزي اكدلي

لمحة نيوز

كريم بص لأمه.
"فين الغرق؟"
أمينة بلعت ريقها.
"الميه... نشفت."
سارة ضحكت لأول مرة.
"نشفت؟ في أقل من ساعة؟"
الشيخ بركات حس إن الجو اتقلب.
قام وقف وقال:
"أنا همشي."
لكن سارة وقفت قدامه.
"استنى... بما إنك جيت، خلينا نفهم حضرتك حاجة."
طلعت موبايلها.
وداست على زر التسجيل.
اتسمع صوت ندى...
"أمي قالت هيستلم مبلغ كبير الليلة عشان يبدأ الطقوس."
وش أمينة قلب أبيض.
لكن الصدمة الحقيقية ما كانتش لسه.
في اللحظة دي...
رن موبايل أمينة.
طلعت البلكونة ترد.
وسابت الباب موارب.
سارة مسكت إيد كريم.
"اسكت."
وقفوا يسمعوا.
وصوت أمينة كان واضح جدًا.
"أيوه يا أستاذ شريف... معايا الفلوس كلها."
سكتت ثانيتين.
"لأ... ابني ما شكش في حاجة."
كريم بدأ يتنفس بسرعة.
لكن الجملة اللي بعدها...
كسرت آخر ذرة ثقة عنده.
"التوكيل المزور هيكون جاهز إمتى؟"
سكتت.
وبعدين قالت وهي بتضحك:
"أهم حاجة نقل الشقة باسمي قبل ما مراته تعرف."
الجردل وقع من إيد كريم.
الصوت دوّى في الشقة كلها.
لفت أمينة بسرعة.
ولما شافت ابنها واقف...
اللون اختفى من وشها.
"كريم... أنا..."
لكن كريم دخل الشقة ببطء.
لأول مرة في حياته...
ما ناداش عليها: "يا أمي."
قال بصوت غريب عليها:
"كملي..."
سكتت.
"كملي زي ما كنتِ بتتكلمي."
الشيخ بركات حاول يهرب.
لكن سارة كانت أسرع.
قفلت الباب بالمفتاح.
وقالت وهي بتطلع الموبايل:
"ولا حد هيمشي."
بعدها بدقائق...
رن جرس الباب.
أمينة ابتسمت فجأة.
"أكيد الأستاذ شريف."
لكن اللي دخل...
ما كانش الأستاذ شريف.
كان ندى...
ومعاها راجل لابس بدلة.
رفع كارنيهه وقال بهدوء:
"أنا محامي الأستاذ كريم."
بصتله أمينة بصدمة.
"محامي؟"
ابتسمت سارة.
"آه."
"أنا اتصلت بيه من ساعة ما عرفت إن الفلوس خرجت من البيت."
فتح المحامي شنطة جلد سوداء.
وحط قدام كريم ملف.
وقال:
"حضرتك لازم تشوف ده."
فتح الملف...
ولقى نسخة من عقد بيع شقته.
وعليه توقيع...
يشبه توقيعه بالظبط.
لكن عمره ما وقّع عليه.
رفع عينه للمحامي.
"يعني إيه ده؟"
رد المحامي:
"ده مشروع تزوير كامل."
"كانوا مستنيين الفلوس تدخل... وبعدها حضرتك تمضي كام ورقة على أساس إنها إيصالات أو مساعدات لأهل والدتك."
"وفي الحقيقة..."
"كنت هتبيع شقتك، وعربيتك الجديدة، وتعمل توكيل عام."
لف كريم ناحية أمه.
كانت بترتعش.
"كنتِ هتعملي فيا كده؟"
أمينة انهارت على الكرسي.
لكن بدل ما تعتذر...
قالت وهي بتصرخ:
"كل ده حقي!"
"أنا اللي ربيتك!"
رد كريم بهدوء لأول مرة:
"ربيتيني..."
"مش معنى كده تسرقيني."
وفي اللحظة دي...
المحامي قال جملة قلبت الليلة كلها.
"في حاجة أخطر."
الجميع بص له.
فتح ظرف صغير.
وأخرج منه كشف حساب بنكي.
وقال:
"الـ180 ألف... ما اتدفعوش للشيخ."
"اتحولوا من ساعة واحدة..."
"لحساب شخص اسمه شريف أمين."
وسارة همست:
"يعني الشيخ... شريك."
لكن الصدمة الأكبر...
إن شريف أمين ما كانش شيخ أصلًا.
كان نصاب هارب من ثلاث محافظات، ومطلوب في عشرات البلاغات بنفس الأسلوب.
ولما سمع الكلام...
حاول يجري ناحية الباب.
لكن كريم، وهو لابس البوت الطويل اللي جه بيه ينقذ أمه...
كان أول مرة يستخدمه فعلًا.
مد رجله...
وقع الشيخ على الأرض وسط أطباق العزومة...
وتناثر الأكل في كل مكان...
بينما دوّى صوت سيارات الشرطة أسفل العمارة، بعد البلاغ الذي كانت سارة قد أرسلته قبل صعودها بخمس دقائق، لأنها منذ اللحظة الأولى لم تصدق قصة الغرق، وكانت تريد أن ينكشف كل شيء بالأدلة، لا بالمشاجرات.

ظل الشيخ بركات ملقى على الأرض للحظات، يحاول يفلت من إيد كريم، لكن صوت سيارات الشرطة اللي وقف قدام العمارة خلاه يجمد مكانه.
سارة كانت واقفة بهدوء.
ولا صرخت.
ولا شمتت.
كل اللي عملته إنها قالت:
"أنا بلغت قبل ما نطلع. لو كنتِ فعلاً في كارثة، كانوا هيجوا يساعدوا. ولو كنتِ بتكدبي... الحقيقة هي اللي هتتكلم."
بعد دقائق، دخل رجال الشرطة.
بدأوا يسمعوا أقوال الجميع، ويجمعوا الأوراق اللي كانت على السفرة.
المحامي سلّمهم نسخة من الأوراق اللي كانت مجهزة للتوقيع، ومعاها التسجيل اللي سمعوا فيه أمينة وهي بتتكلم عن تزوير توقيع ابنها.
أما الشيخ بركات...
فاختفى عنه هدوءه تمامًا.
بدأ يقول إنه مجرد "مستشار روحي"، وإنه مالوش علاقة بأي أوراق.
لكن أول ما فتشوا الشنطة الجلد اللي كانت معاه...
لقوا فيها عشرات العقود الفارغة، ونماذج توقيعات، وإيصالات بمبالغ كبيرة لأشخاص مختلفين.
ساعتها...
عرفت أمينة إن اللعبة انتهت.
جلست على الكرسي وهي منهارة.
بصت لكريم بعينين مليانين دموع.
"أنا... كنت فاكرة إن الفلوس هتزيد."
رد كريم بصوت هادئ لأول مرة من أول الليلة:
"ولو كانت زادت... كنتِ هتقولي الحقيقة؟"
ما ردتش.
كمل:
"أنا ما زعلتش عشان الفلوس."
"أنا زعلت لأنك استغلّيتي ثقتي."
ساد الصمت.
ندى قربت من أخوها وربتت على كتفه.
وقالت:
"اللي حصل النهارده كان لازم يحصل. الكذبة لما تكبر... بتدفن اللي بيقولها."
بعد انتهاء الإجراءات، تمكنت الجهات المختصة من التحفظ على الأموال الموجودة مع الشيخ، وبعد المراجعة رجع جزء كبير من المبلغ لأصحابه، وكان من ضمنه معظم الـ180 ألف جنيه.
ولما خرج كريم وسارة من العمارة...
كان الفجر بدأ يطلع.
ركبوا العربية.
ولا واحد فيهم اتكلم.
بعد دقائق...
قطع كريم الصمت.
"أنا آسف."
سارة بصتله.
"آسف لأنك اضطريتي تثبتيلي حاجة كان المفروض أشوفها بنفسي."
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
وقالت:
"أنا ما كنتش بحارب أمك."
"أنا كنت بحارب الكدب."
مر شهران.
اشتروا العربية اللي كانوا بيحلموا بيها، لكن مستعملة ونظيفة بدل الجديدة، لأنهم قرروا يبدأوا من جديد من غير ديون ولا مخاطرة.
أما كريم...
فبقى أي قرار مالي كبير ما ياخدوش إلا بعد ما يقعد مع سارة ويتناقشوا فيه.
وأمينة...
بعد ما خسرت ثقة ابنها، أدركت إن أصعب عقوبة مش خسارة الفلوس...
ولا حتى الوقوف قدام القانون...
أصعب عقوبة هي إن الباب اللي كان بيتفتح لها في أي وقت...
بقى لازم تخبط عليه، وتستنى، ويمكن ما يتفتحش.
وفي أول زيارة بعد شهور، وقفت قدام باب شقة ابنها، وماكانش في إيدها طلب، ولا حكاية عن مرض، ولا دموع.
كان في إيدها ظرف بني.
نفس لون الظرف اللي خرج منه حلم ابنها في يوم.
ناولته لكريم وقالت:
"ده آخر حاجة فضلت معايا... بيع السلسلة الدهب بتاعتي. مش هيعوض اللي عملته... لكنه بداية."
نظر كريم إلى الظرف، ثم أعاده إليها برفق.
وقال:
"احتفظي بيه."
"الفلوس ممكن ترجع."
"لكن الثقة... هي اللي محتاجة وقت."
أغلقت سارة الباب بهدوء بعدما ودعتها.
التفتت إلى كريم.
ابتسم لأول مرة منذ أسابيع.
ابتسمت هي أيضًا.
وأدركا أن أغلى شيء لم يكن الـ180 ألف جنيه...
بل الدرس الذي كلّفهما ذلك المبلغ:
الثقة لا تُمنح بلا حدود، حتى لأقرب الناس... والصدق دائمًا أقل تكلفة من أي كذبة، مهما بدت صغيرة.

تم نسخ الرابط