هتبقى خرسانه
بصت مريم مباشرة في كاميرا الموبايل وقالت بصوت ثابت:
ـ حتى لو دفنتوني... الحقيقة عمرها ما هتتدفن.
ابتسمت رانيا وقالت:
ـ الحقيقة بتغرق زي أصحابها.
وزقتها.
وقعت مريم وهي بتحاول تحمي بطنها بإيديها.
ألم رهيب ضرب جنبها...
لكن في نفس اللحظة حست ببنتها بتتحرك.
رفعت عينها لفوق...
وشافت كريم بيشغل خلاطة الخرسانة.
وبدأ أول سطل خرسانة ينزل جوه الحفرة.
في اللحظة دي استوعبت إن الراجل اللي كان من كام ساعة بيبوس بطنها وبيتكلم مع بنته...
واقف دلوقتي بيتفرج عليها وهي بتموت.
لكن اللي كريم ورانيا ماكانوش يعرفوه...
إن في نفس الدقيقة، رسالة تحديد الموقع اللي مريم لحقت تبعتها قبل ما الموبايل يفصل... كانت وصلت للشخص الوحيد اللي عمره ما هيسيب حقها.
الخرسانة السائلة بدأت تغطي جزمتها، والبرودة القاتلة للأسمنت اختلطت بحرارة دموعها. الألم كان بيمزق جسمها، لكن غريزة الأمومة كانت أقوى من الموت نفسه. جمعت آخر ذرة طاقة فيها، مدت إيدها جوه جيب الجاكت الداخلي اللي كريم ماحسش بيه وسط الرعب، وطلعت موبايل قديم "توشيبا" صغير زرارين كانت مخبياه للطوارئ — موبايل غير الذكي اللي رماه في قاع الحفرة.
بسرعة الضوء، وبصوابع بترتجف، ضغطت على زرار الاتصال السريع رقم (1)، ودلّت الإصبع التاني على إرسال رسالة نصية قصيرة تحتوي على اللوكيشن المباشر مع جملة واحدة: "الحقني يا سيف، كريم ورانيا بيقتلوني في موقع العاصمة".
قبل ما الشاشة تطفي والبطارية تموت للأبد، ظهرت كلمة: تم الإرسال.
وقعت إيدها جنب جسمها، والخرسانة بدأت توصل لركبتها. سمعت صوت ضحكات رانيا وهي بتقول لكريم:
ـ خلاص يا حبيبي، خلصنا.. لم عدتك والشغل بكرة يكشف الباقي.
ركبوا العربية العربية السودا، ودار المحرك وغاب صوتهم تماماً في هدوء الصحراء القاتل.
مريم كانت حاسة بالظلمة بتسحبها، والبرودة بتتحول لتخدير تام في جسمها، وبنتها جوه بطنها بتتحرك بحركات ضعيفة ومتألمة كأنها بتودعها. غمضت عينها وهمست بصوت مسجون:
ـ يارب... احمي بنتي.
على بعد كيلومترات قليلة، وفي استراحة فاخرة بقلب العاصمة الإدارية الجديدة، كان سيف الشاذلي — اللواء مهندس بحري سابق، ورجل الأعمال الأسطوري اللي بيدير أكبر مشاريع الإنشاءات في مصر — قاعد قدام مكتبه بيراجع رسومات هندسية.
فجأة، تليفونه الأساسي اتهز برسايل متتالية. بص في الشاشة، وقلبه انقبض بقبضة حديدية.
اللوكيشن الجغرافي للموقع "ع" الصحراوي، ورسالة أخته: بيقتلوني.
سيف مكنش راجل عادي ينفعل أو يصوت. ساب القلم من إيده، وعينيه اتحولت لنظرة صقر حادة تكفي لإحراق بلد. مسك جهاز اللاسلكي الخاص بالموقع، وبصوت هادئ لكنه مرعب ومجمد للدمار، قال:
ـ رجال العمليات.. فورًا، عربيات الدفع الرباعي تكون تحت الباب في خلال ثواني. وموقع "ع" يتطوق بالكامل، ممنوع ديبابة تفوت ولا عصفور يطير برة حدود المنطقة من غير إذن مني.
في أقل من خمس دقايق، كان سيف جوه عربية جيب سودا، ووراها أربع عربيات حراسة تابعة لشركته الأمنية الخاصة، طائرين على طريق العين السخنة بسرعة جنونية كأنهم في مطاردة حربية.
في الموقع، كان كريم ورانيا قاعدين في مطعم على أول الكورنيش بيحتفلوا "بالجريمة الكاملة"، بياكلوا ويشربوا وكأن شيئاً لم يكن. رانيا رفعت كاس العصير وقالت بابتسامة شيطانية:
ـ مبروك يا كوكو.. الـ18 مليون في طريقهم لينا، والبت ولعت مع أبوها وراحت في الشكاير.
فجأة، الباب اتفتح بعنف شديد.
دخل سيف الشاذلي بخطوات واسعة ومرعبة، وراه أربعة من الحرس الضخام بلبس أمني صارم. المكان كله سكت، والكل حس إن الموت دخل الصالة.
كريم وقف مرعوب، وعينيه بتترعش من الخوف:
ـ س.. سيف بيه؟! إنت.. إنت مش المفروض في مأمورية بره الصعيد؟!
سيف ماردش بالكلام.. اتقدم عليه بخطوة واحدة، ونزل ببوكس واحد على وش كريم طيّر سنانه ورماه على الأرض مطروح وسط التراب. جابره من كتافه ورفعه لفوق وعينيه بطلع شرار:
ـ أختي فين يا ابن الكلب؟!
رانيا صرخت بانهيار وهي بترتجف:
ـ أختك؟! إحنا.. إحنا ماعرفناش حاجة.. هي سافرت..
ـ اخرسي!
سيف زجرها بصوت رعدي، ورمى كريم على التراب قدام الحراس وقال:
ـ اربطوهم، واعدموا الحركة حواليهم. على الموقع حالًا!
في موقع الحفرة، كان الهدوء يعم المكان، والظلام حالك لولا أنوار عربيات سيف الكاشفة اللي ضربت المكان نهاراً اصطناعياً.
سيف نزل وجرى زي المجنون لحد حفرة الأساس. شاف طبقة الخرسانة الطازة اللي بدأت تجف.
عيناه دمعت لأول مرة من سنين، نزل على ركبتيه وبدأ يحفر بضوافره وإيديه العارية جوه الأسمنت البارد، وهو بيصرخ:
ـ مرياااام!! مريم سامعاني؟!
الحراس جريوا معاه بمعدات الحفر اليدوية وبدأوا يشيلوا الخرسانة بحذر جنوني عشان ماياذوش جسمها.
بعد دقائق تحبس الأنفس، ظهر جلباب مريم.. ثم إيدها الباردة تماماً.
سيف جذبها بحنان بالغ وطلعها من قلب الأسمنت، حضنها لصدره وهو بيبكي بمرارة:
ـ أنا جيت يا حبيبتي.. أنا جنبك، متخافيش.
وفجأة... وسط ذهول الكل، صدر صوت أنين ضعيف جداً طالع من صدر مريم.. تلاها كحة مكتومة خرجت منها وهي بتفتح عينها ببطء شديد وتتنفس الهواء بصعوبة بالغة.
كريم ورانيا — اللي جابوهم الحراس مكتوفين وراهم — انصدموا وسقطوا على ركبتهم من الرعب وهما شايفينها بتتنفس!
سيف نادى بصوت عالي:
ـ دكتور الاسعاف حالاً هنا! أختي وبنتها لسه فيهم الروح!
بعد أسبوعين، في غرفة خاصة بالمستشفى الدولي، كانت مريم قاعدة على السرير وبنتها الصغيرة اللي سموها "سيلين" نايمة في حضنها بهدوء، وأمها قاعدة جنبها بتعيط من الفرحة والحمد.
الباب خبط، ودخل سيف وهو لابس بدلة رسمية، ووراه محامي الشركة وكبار ضباط الشرطة.
بصتله مريم وقالت بصوت ضعيف:
ـ كريم ورانيا فين يا سيف؟
سيف ابتسم ابتسامة هادئة ومرعبة في نفس الوقت، وقعد جنبها وقال:
ـ كريم ورانيا دلوقتي في أمن الدولة، متهمين بالشروع في القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد، وتزوير وثائق تأمين، والنصب والاحتيال، وتبديد أموال قصر.
وعشان أنا مش بس أخوها.. أنا مالك الأراضي والموقع اللي حاولوا يدفنوكي فيه، وبصفتي الشريك الأكبر في الدولة، العقد اللي بينهم وبين الشركة اتلغى، ورصيدهم كله اتحجز بأمر قضائي فوري.
يعني بالبلدي كده يا مريم... هما اللي اتبنوا تحت أساسات العمارة، ومش هيطلعوا منها لآخر عمرهم.
مريم بصت لبنتها سيلين، ودموع الفرحة نزلت على خدها وهي حاسة إن ربنا عوضها بسند الدنيا كله.. أخوها سيف، اللي كالعادة، كان الحيطة المائلة اللي تحولت لقلعة من حديد تحميها هي وبنتها للأبد.