من اول يوم دخلت المدرج

لمحة نيوز

من أول ما دخلت المدرج وأنا شايلة طفل رضيع بين إيديا... الضحك بدأ يعلّى من كل ناحية.
واحدة من اللي ورايا قالت بصوت واطي، بس سمعته بوضوح طلع شبه أمه فعلًا...
حضنت البيبي أكتر، وكأني بحاول أحميه من كلام الناس.
كان اسمه آدم... ولسه مكملش شهر.
أنا كان عندي 22 سنة، وفي يوم تخرجي من كلية الخدمة الاجتماعية، والأولى على دفعتي. يتيمة من وأنا صغيرة، واتربيت طول عمري على إحساس إن أي لقمة أو هدوم أو سقف فوق دماغي هو جميل لازم أفضل أسدده.
أكتر واحدة كانت بتضحك هي خالتي سهير... الست اللي ربتني بعد وفاة أبويا وأمي، وماكانش بيعدي يوم غير لما تفكرني إنها صرفت عليا، وإن عمري ما هعرف أرد اللي عملته معايا.
جنبها كانت قاعدة بنتها ريم، لابسة وشاح التفوق... الوشاح اللي كان المفروض يبقى بتاعي، لكنها خدته بعد ما لفقتلي محضر تأديب كدب قبل التخرج بكام أسبوع.
من تلات أسابيع، وأنا راجعة من التدريب في مستشفى حكومي، لقيت كرتونة قدام باب المستشفى.
لما قربت، سمعت صوت عياط.
فتحتها... لقيت طفل رضيع ملفوف في بطانية مستشفى.
عرفت بعدها إن أمه توفت بعد الولادة بساعات، ومحدش يعرف أبوه، ولا أي حد من أهله ظهر يسأل عليه.
الأخصائية الاجتماعية قالتلي غالبًا هيتحول لدار رعاية.
بصيت لصوابعه الصغيرة وهي ماسكة صباعي... وفجأة افتكرت نفسي وأنا عندي ست سنين، قاعدة في مكتب الشؤون الاجتماعية، والناس بتتناقش مين هيشيل مسؤوليتي.
ساعتها قلت من غير تردد لأ... هيجي معايا.
وبحكم إني كنت متطوعة قبل كده في رعاية الأطفال، قدرت آخد حضانة مؤقتة لحد ما الإجراءات تخلص.
لكن خالتي ما شافتش ده رحمة...
شافته فضيحة.
وقالت قدام الناس دي أصلًا زبالة... راحت لمّت زبالة زيها.
وبعدين قرروا يكملوا اللعبة للآخر.
فجأة اتعمل ضدي بلاغ بيقول إني غشيت في مشروع التخرج، وإني بتصرف بشكل غير مسؤول لأني بدخل طفل الكلية.
اللي دبّر كل ده كان خطيب ريم... موظف في شؤون الطلبة.
في يوم وليلة، وقفوا منحة التفوق بتاعتي، وجمدوا إجراءات التخرج، وقالوا إن الموضوع هيتحقق فيه.
خالتي يومها ابتسمت وقالتلي بكل شماتة بلاش تروحي حفلة التخرج... وفري على نفسك كسفة مالهاش لازمة.
بس هي ماكنتش تعرف حاجة.
بقالى سنتين بتطوع في مركز للمساعدة القانونية، واتعلمت إزاي أي ورقة مزورة، أو تحويل فلوس، أو توقيع متفبرك... مهما اتدارى، لازم في يوم يبان.
ومشروع تخرجي أصلًا ماكنش مجرد مشروع.
أنا كنت بكشف شبكة كاملة بتسرق منح الطلبة، وتزور ملفات، وتحول تبرعات الجامعة لحسابات خاصة.
كل الأدلة... الأسماء... التوقيعات... والتحويلات...
كانت بتوصل في الآخر لخطيب ريم، وريم نفسها، ومعاهم مسؤول كبير في الكلية كان بيغطي عليهم.
وعشان كده...
طلعت على منصة التخرج وأنا شايلة آدم.
مش عشان مكسوفة...
لكن عشان كنت عايزة كل اللي في القاعة يبقوا شهود على اللحظة اللي الحقيقة هتتكشف فيها.
أول ما وقفت على المسرح...
الضحك زاد أكتر.
وفجأة...
عميد الكلية قام من مكانه.
رفع إيده، وبص لكل الحضور وقال بصوت هز القاعة
قبل ما نسلم الطالبة ملك عبد الرحمن شهادة التخرج... لازم الجامعة كلها تقدم لها اعتذار رسمي قدام الناس كلها.
في ثانية واحدة...
القاعة كلها سكتت...
عمّ الصمت القاعة.
حتى الطفل آدم، اللي كان بيعيط من شوية، سكت كأنه هو كمان مستني يعرف هيحصل إيه.
بصيت ناحية خالتي سهير... لأول مرة أشوف لون وشها اتغيّر بالشكل ده.
أما ريم، فابتسامتها اختفت.
عميد الكلية أخد نفس طويل، وقال
التحقيق الداخلي انتهى النهارده الصبح... والنتيجة وصلت قبل بداية الحفل بدقايق.
لف ناحية موظف الأمن، وقال
لو سمحت... دخلهم.
باب القاعة اتفتح.
دخل ثلاثة رجال ببدل رسمية، ومعاهم ملفات مختومة.
واحد منهم قال
إحنا من الإدارة القانونية والرقابة الإدارية... ومعانا إذن بضبط وتحفظ على مستندات تخص قضية تزوير واختلاس أموال منح طلابية.
الهمهمة رجعت تملأ المكان.
خطيب ريم حاول يقوم بهدوء ويخرج.
لكن قبل ما يوصل للباب، وقف قدامه فرد أمن.
قاله بهدوء
بعد إذنك... حضرتك هتفضل مكانك.
ريم قامت تصرخ
ده حفل تخرج... إنتوا بتعملوا إيه؟
الراجل فتح الملف.
وقال
عندنا تسجيلات، وكشوف تحويلات، ورسائل صوتية، وتوقيعات مزورة... وكلها بتثبت تورط مجموعة من الموظفين والطلاب.
وبعدين رفع ورقة.
وأول اسم فيها...
وسكت ثواني.
السيد محمود الشاذلي.
وهو خطيب ريم.
القاعة كلها بصت عليه.
بدأ يتلعثم.
أكيد في غلط...
لكن الضابط ضغط زر في جهاز صغير.
واتسمعت رسالة صوتية بصوته.
حوّل باقي الفلوس على الحساب الجديد... والبنت دي لازم تتوقف قبل حفلة التخرج.
الصوت كان واضح.
مفيش حد قدر ينكر.
ريم رجعت خطوة لورا.
وقالت وهي بترتعش
أنا... أنا ماليش دعوة.
لكن الضابط فتح ملف تاني.
طلع منه كشف حسابات.
وقال
الحساب اللي اتحولت عليه الفلوس... باسم الآنسة ريم.
الوشاح اللي كانت لابساه وقع من على كتفها.
وأول مرة أشوفها مش لاقية كلام.
خالتي سهير قامت تصرخ.
بنتي

تم نسخ الرابط