خدوا كل ما املك

لمحة نيوز

خدوا كل اللي أملكه... بس متسيبوش ماما تموت.
الجملة دي قالتها ملك، وهي عندها خمس سنين، واقفة قدام شباك الاستقبال في مستشفى حكومي، وحاضنة كرتونة قديمة فيها تلات عرايس لعب... كل اللي فاضلها في الدنيا. كانت فاكرة إنهم أغلى من أي فلوس، وإن أكيد هينفعوا يدفعوا تمن العملية اللي أمها محتاجاها بعد ما رمت نفسها قدام عربية مسرعة وزقتها بعيد في آخر لحظة.
الموظفة بصتلها ببرود، وزقت الكرتونة ناحيتها وقالت بكرة الصبح هاتي ورق التأمين أو أي ضمان للدفع... غير كده أمك حالتها ممكن تسوء في أي لحظة.
ملك ما عيطتش... ولا اتكلمت. فتحت الكرتونة بهدوء، طلعت عروسة قماش قديمة وقالت بصوت يخلي الحجر يلين دي ماما عملتهالي بإيديها... لو دي مش كفاية، خدوا التلاتة.
الموظفة سألتها باباكي فين؟
حضنت الكرتونة أكتر وقالت معنديش... إحنا كنا أنا وماما بس.
طيب في جد؟ خال؟ عم؟ أي حد كبير؟
هزت راسها بالنفي.
في اللحظة دي، كل اللي في المكان فهم إن الطفلة دي بقت لوحدها، وإن أمها هي كل حياتها.
وفجأة باب الأسانسير اتفتح، ودخل كريم المنشاوي، واحد من أكبر رجال الأعمال في مصر، جاي يزور موظف عنده اتصاب في الشغل قبل ما يكمل يومه.
ماكانش ناوي يقف.
لكن أول ما سمع البنت بتقول ماما اسمها منى عبدالسلام... حد يساعدها.
اتجمد مكانه.
الاسم رجعه سنين لورا...
منى عبدالسلام... صاحبة طفولته، وأول بنت وقفت جنبه لما كان وحيد، والإنسانة اللي عمره ما نسيها.
الدكتور كان بيشرح تفاصيل العملية والمصاريف وضمان الدفع... لكن كريم ماكانش سامع ولا كلمة.
خطف الملف من إيده، وبص على الاسم المكتوب فوق.
منى عبدالسلام محمود.
وبعدين نزل بعينه لخانة أقرب شخص للتواصل...
فاضية.
رفع عينه ناحية ملك... والكرتونة المتهالكة... والعروسة القماش اللي أمها خاطتهالها بإيديها...
وفي اللحظة دي... حس إن القدر رجّعله أغلى إنسانة خرجت من حياته... لكن المرة دي بين الحياة والموت.
كريم جري ناحية غرفة العمليات من غير ما يحس بنفسه.
وقف قدام الباب الزجاج، وقلبه بيدق بعنف.
شاف منى من بعيد... وشها شاحب، أجهزة حوالين سريرها، ودكاترة بيحاولوا يثبتوا حالتها.
همس لنفسه بعد كل السنين دي... ألاقيكي بالشكل ده؟
الدكتور قرب منه وقال حضرتك قريب المريضة؟
رد من غير تردد من النهارده... أنا المسؤول عنها بالكامل. اعملوا العملية فورًا، وأي تكاليف أو أدوية أو نقل لمستشفى خاص... كله على حسابي.
في أقل من عشر دقائق كانت المستشفى كلها اتقلبت.
الإدارة بنفسها نزلت.
العملية بدأت.
أما ملك...
كانت قاعدة على كرسي في آخر الطرقة، وحاضنة العرايس، ومش فاهمة مين الراجل اللي فجأة بقى بيجري عشان أمها.
كريم قعد قدامها على ركبته وقال بهدوء إنتي اسمك ملك؟
هزت راسها.
أنا صاحب مامتك... من زمان.
سألته بعفوية هترجعها ليا؟
الكلمة كسرت قلبه.
قال وهو بيبتسم بالعافية هعمل كل اللي أقدر عليه.
لكن وهو بيتكلم...
لفت نظره حاجة صغيرة خارجة من الكرتونة.
دفتر قديم.
ملك قالت ده بتاع ماما... كانت بتخبيه ومترضاش حد يفتحه.
الدفتر وقع على الأرض.
اتفتح لوحده.
وفي أول صفحة...
صورة قديمة.
كريم ومنى وهما أطفال.
ابتسم رغم دموعه.
لكن الصفحة اللي بعدها جمدت الدم في عروقه.
رسالة بخط منى.
لو حصل لي حاجة... والقدر رجع كريم في يوم... قوله إني عمري ما خنته.
وقف مكانه.
إيه؟
قلب الصفحة بسرعة.
كان فيه عشرات الرسائل.
كلها مكتوبة... ومتبعتتش.
كلها موجهة له.
...
قبل خمسة وعشرين سنة، كريم كان بيحب منى بجنون.
وكانوا متفقين يتجوزوا بعد ما يخلص شغله.
لكن فجأة...
اختفت.
واختفى معاها كل أمل.
وصله وقتها جواب مجهول بيقول إنها اتجوزت واحد غني وسافرت.
كريم انهار.
وقفل قلبه.
وبنى إمبراطورية كاملة وهو فاكر إنها باعت حبهم.
لكن الرسائل اللي قدامه كانت بتحكي الحقيقة.
أبوه...
هو اللي زور الخطابات.
وهدد منى.
وقال لها ابعدي عن ابني... وإلا هخلي حياته جحيم.
ومن يومها اختفت.
وكريم عاش عمره كله بيكرهها...
وهي عاشت عمرها كله بتحبه في صمت.
دموعه نزلت لأول مرة من سنين.
وفي نفس اللحظة...
خرج الدكتور من العمليات.
الحمد لله... العملية نجحت.
ملك صرخت من الفرحة وجريت من غير ما تحس.
لأول مرة من ساعة ما دخلت المستشفى...
ابتسمت.
...
بعد يومين.
منى فتحت عينيها.
وأول شخص شافته...
كان كريم.
افتكرت إنها بتحلم.
همست إنت... مستحيل.
قال وهو ماسك إيدها سامحيني.
منى بكت.
أنا كنت مستنياك طول عمري.
لكن قبل ما يرد...
دخل ظابط شرطة الغرفة.
وقال لازم ناخد أقوال المريضة.
الكل استغرب.
الظابط فتح ملف.
إحنا راجعنا كاميرات الحادث.
العربية اللي خبطتك... ما كانتش حادثة.
الغرفة سكتت.
كانت محاولة قتل.
منى اتسعت عينيها.
مستحيل.
الظابط شغل الفيديو.
ظهر عربية سودا.
كانت ماشية بسرعة.
ولما شافت منى ماسكة إيد ملك...
غيرت اتجاهها فجأة وقصدتها.
لكن منى زقت بنتها بعيد.
واتخبطت هي.
كريم قبض إيده بعنف.
مين عمل كده؟
الظابط قال العربية كانت بلوحات مزورة... لكن لقينا بصمة واحدة.
وبعدين حط صورة قدام منى.
أول ما شافتها...
وشها اصفر.
قالت بصوت مرتعش لا...
ملك بصت للصورة.
وسألت هو ده مين؟
منى غمضت عينيها.
وقالت أبوكي.
المكان كله اتجمد.
حتى كريم.
ملك بصتلها بصدمة.
أنا... عندي بابا؟
منى انفجرت في البكاء.
كنت فاكرة إنه مات.
الظابط قال بهدوء للأسف... عايش.
ومطلوب في أكتر من قضية نصب وغسيل أموال.
ولما عرف إن في بنت ممكن ترث أي حق قانوني يثبت نسبها...

تم نسخ الرابط