التحاليل
مصطفى فضل يبص في السقف لحد الفجر، وكل كلمة كان سمعها من الدكاترة زمان كانت بترن في ودنه.
"نسبة الإنجاب عندك شبه منعدمة."
"الحمل الطبيعي مستبعد جدًا."
"لازم تفكروا في بدائل."
قام من على السرير ولبس هدومه من غير ما يصحي عايدة، ونزل أول ما الأذان أذن.
كان رايح لمكان واحد... معمل التحاليل اللي احتفظ بكل ملفاته من سنتين.
طلع ملفه القديم، وقعد يقلب فيه بإيده المرتعشة.
دخل عليه الدكتور اللي كان متابع حالته، ولما شافه قال باستغراب: "مصطفى؟ خير؟"
حط الملف قدامه وقال: "مراتي حامل."
الدكتور ابتسم وقال: "ألف مبروك."
لكن مصطفى صرخ: "ما تباركليش... قوللي إزاي؟! كل التحاليل دي كانت بتقول إني مستحيل أخلف."
الدكتور أخد الملف وقعد يقلب فيه دقيقة كاملة، وبعدها سكت.
وقال بهدوء: "أنا فاكر حالتك... لكن في حاجة أنت ناسيها."
مصطفى عقد حواجبه.
قال الدكتور: "أنا ما قلتلكش مستحيل تخلف... أنا قلتلك الاحتمال ضعيف جدًا... وطلبت منك وقتها تعيد التحاليل بعد ست شهور لأن المشكلة كانت مرتبطة بدوالي شديدة والتهاب، وبعد العملية والأدوية ممكن الوضع يتحسن."
مصطفى افتكر.
فعلاً... هو عمل العملية.
لكن بعدها بأسبوعين المشاكل بينه وبين منار وصلت للطلاق، وساب العلاج، وما رجعش يعمل التحليل التاني أبدًا.
قال بصوت مهزوز: "يعني... ممكن؟"
ابتسم الدكتور وقال: "ممكن جدًا... والطب نفسه عمره ما بيستخدم كلمة مستحيل."
خرج مصطفى وهو حاسس إن الأرض بتميد بيه.
افتكر وش عايدة وهي بتحلف له.
افتكر دموعها.
وافتكر إنه سابها طول الليل بتعيط وهي حامل.
رجع البيت يجري.
فتح الباب.
لقاها قاعدة مكانها.
وشها أصفر من كتر العياط.
أول ما شافته قامت واقفة، ولسه هتتكلم.
لكنه سبقها.
وقع على ركبته قدامها.
وقال وهو بيبكي: "سامحيني."
عايدة فضلت باصة له في صدمة.
قال: "أنا ظلمتك... أنا خوفت... خوفت أعيش نفس الوجع تاني."
ونزلت دموعه لأول مرة قدامها.
وقالت: "أنا زعلت... بس كنت عارفة إنك موجوع."
وهو بيبكي زي الطفل.
ومن اليوم ده، بقى متعلق بيها أكتر من الأول.
كان ياخدها كل أسبوع للدكتور بنفسه.
يجيب لها الفاكهة.
ويمنعها تشيل أي حاجة.
ولما دخلت في الشهر الخامس عرفوا من السونار إنها حامل في ولد.
مصطفى خرج من العيادة يضحك ويعيط في نفس الوقت.
لكن الفرحة ما طولتش.
بعد أسبوعين بس، منار... مراته الأولى... خبطت على باب البيت.
أول ما عايدة فتحت، لقتها واقفة ومعاها طفل عنده حوالي سنة ونص.
وقالت بهدوء غريب: "أنا جاية أرجع حق ابني."
مصطفى خرج من جوه، ولما شاف الطفل، اتجمد.
الولد كان شبهه بشكل يخوف.
منار دخلت وقالت: "أنا يوم ما اتطلقت منك كنت حامل... وخبيت عليك."
عايدة حسّت الدنيا بتلف بيها.
قال مصطفى: "ليه؟"
ابتسمت منار ابتسامة كلها مرارة.
"عشان كنت فاكرة إنك عقيم، ولما اكتشفت إني حامل افتكرت الطفل مش ابنك... وبعد ما عملت تحليل DNA السنة اللي فاتت عرفت الحقيقة."
ورمت تقرير التحليل على الترابيزة.
مصطفى فتحه بإيد مرتعشة.
وكانت النتيجة واضحة.
نسبة الأبوة...
99.99%.
فضل ساكت.
بعدين بص لعايدة.
كانت دموعها نازلة.
قالت بصوت مكسور: "يعني... أنت كنت بتقدر تخلف من زمان."
هز راسه.
وفهم في اللحظة دي إن التحاليل القديمة، وسوء الفهم، والاستسلام لكلمة "مستحيل"... ضيعوا سنين من عمره.
قرر يتحمل مسؤوليته كاملة.
استقبل ابنه.
وصرف عليه.
وكان يزوره باستمرار.
لكن رفض يرجع لمنار.
وقال لها: "أنا هكون أب صالح... لكن زوج رجعتي انتهت يوم اخترتي تخبي الحقيقة."
عدت الشهور.
وفي ليلة شتوية هادية، سمع مصطفى أول صرخة لابنه من عايدة.
شاله بين إيديه.
وبكى.
وبص لربنا قبل ما يبص للناس.
وقال: "الحمد لله... أنت أرحم من كل توقعاتنا."
بعد سنة، كان البيت مليان ضحك.
الولد الصغير بيلعب مع أخوه الأكبر لما يجي يزوره.
وعايدة واقفة في المطبخ بتضحك عليهم.
ومصطفى كل ما يشوف المشهد ده، يفتكر الليلة اللي شك فيها.
فيقوم يبوس رأس مراته قدام الكل.
ويقول: "أغلى درس اتعلمته... إن الشك ممكن يهدم بيت في لحظة، لكن الثقة والصدق هما اللي بيبنوا العمر كله."
تمت.