سبني اعيش
الست ردت بسرعة: "أبدًا... أول مرة أشوفها."
لكن ليلى صرخت: "كدابة!"
الصوت العالي صحي زين.
خرج من أوضته وهو ماسك لعبته الصغيرة، وعينيه مليانة خوف.
أول ما شاف ليلى جري عليها من غير تفكير، وحضن رجلها بكل قوته.
الدنيا سكتت.
طارق وقف مصدوم.
الولد اللي عمره ما قرب من حد بالشكل ده... بيستخبى ورا ميس رحمة.
الست حاولت تشيله.
زين زقها بعيد وهو بيعيط.
ولأول مرة...
قال كلمة كاملة.
"ماما..."
ليلى انهارت وهي بتحضنه.
أما طارق فاتجمد مكانه.
الكلمة نزلت عليه كالصاعقة.
زين عمره ما نطقها قبل كده.
فضل يبص لليلى... ثم للولد... ثم افتكر الأغنية... والدموع... والطريقة اللي حضنته بيها.
حاجة جواه بدأت تتكسر.
لكن كبرياءه كان أكبر من إنه يصدق.
شد زين من حضنها بعنف وقال: "كفاية تمثيل!"
وقبل ما يكمل...
سمعوا صوت ارتطام قوي جاي من آخر الطرقة.
دادة أمينة كانت واقعة على الأرض بعد ما أغمي عليها.
جروا ناحيتها.
ولما فاقت، أول حاجة قالتها وهي بتعيط:
"سامحيني يا ليلى... خلاص مش قادرة أشيل الذنب."
طارق قرب منها بسرعة.
"ذنب إيه؟"
الدادة بصت ناحية الست.
"هي السبب."
الست وشها اصفر.
"اسكتي!"
لكن الدادة كملت.
"أبوك يا طارق دفع فلوس للمستشفى... وقال للدكتور يبلغك إن ليلى باعت ابنها وسافرت... ولما رفضت... لفّقوا لها شهادة وفاة مزورة... وهددوني لو اتكلمت هيقتلوا ابني."
طارق حس الأرض بتميد بيه.
بص للدادة بعدم تصديق.
"بتقولي إيه؟"
"دي الحقيقة... ليلى عمرها ما باعت ابنها... كانت مخدرة بعد الولادة... وإنت أبوك خد الطفل وسلمهولك... وهو اللي دمر حياتكم."
الست حاولت تهرب.
لكن ليلى مسكت إيدها.
"رايحة فين؟"
الست زقتها وجريت.
طارق لحقها قبل باب القصر.
مسكها من إيدها.
صرخ فيها: "اتكلمي!"
انهارت وهي بتصرخ.
"أيوة... أبوك وعدني بالجواز والميراث... وأنا نفذت اللي طلبه... هو كان عايز يخلص من ليلى بأي طريقة."
في اللحظة دي...
دخل رجال الشرطة.
كان في ضابط واقف على الباب.
قال بهدوء: "وصلنا تسجيلات من كاميرات المستشفى القديمة بعد إعادة فحص القضية... وكل اللي اتقال دلوقتي متسجل."
الست اتقبض عليها.
وبعد ساعات...
الشرطة قبضت على والد طارق والدكتور ومدير المستشفى بتهم التزوير وخطف طفل والرشوة.
القضية قلبت الرأي العام.
كل الصحف كانت بتتكلم عنها.
أما طارق...
فكان قاعد لوحده في أوضة مكتبه.
بيبص لصورة قديمة ليه مع ليلى وهي حامل.
كل كلمة جارحة قالها...
كل مرة أهانها...
كل لحظة حرمها فيها من ابنها...
كانت بترجعله زي السكين.
طلع عقد "رحمة" من الدرج.
ومزقه قطعة قطعة.
ونزل يدور عليها.
لقاها في الجنينة، قاعدة تحت نفس الشجرة اللي كانوا بيحلموا تحتها بزين.
وقف قدامها، ولأول مرة من سنين...
ركع على ركبته.
دموعه نزلت من غير ما يحاول يخبيها.
"سامحيني."
ليلى بصتله بهدوء.
"السنين اللي ضاعت... هترجعها إزاي؟"
"مش هعرف."
"حضن ابني اللي اتحرمت منه أربع سنين... هتعوضه بإيه؟"
طارق سكت.
لأنه فعلًا ماكانش عنده إجابة.
قال بصوت مكسور: "أنا استحق أي عقاب... لكن أوعي تحرميني من فرصة أصلح اللي أقدر عليه."
ليلى قامت.
مسحت دموعها.
وقالت: "أنا سامحتك علشان قلبي يرتاح... لكن المسامحة غير الرجوع."
وسابته ومشيت.
بعد شهور...
افتتحت مركزًا لعلاج الأطفال باسم "زين".
بقت من أنجح أخصائيات التخاطب في البلد.
وزين عاش معاها بحكم المحكمة، مع حق طارق في زيارته بشكل منتظم بعد جلسات علاج وتأهيل نفسي أشرف عليها مختصون.
في البداية كان زين مترددًا مع والده، لكن مع الوقت، وبعد أن رأى اعترافه بخطئه ومحاولاته الصادقة، بدأت العلاقة بينهم تتحسن ببطء.
أما طارق...
فرفض يرث أي جنيه من ثروة والده.
باع القصر بكل ذكرياته.
وتبرع بجزء كبير من الأموال لمستشفى أطفال مجاني يحمل اسم والدته.
وفي كل عيد ميلاد لزين...
كان يقف بعيدًا يراقب ليلى وهي تضحك مع ابنها.
ويكتفي بابتسامة حزينة.
لأنه أدرك متأخرًا أن الثقة لو انكسرت، قد يُغفر الذنب... لكن بعض القلوب لا تعود كما كانت أبدًا.
تمت.