سبني اعيش

لمحة نيوز

"موافقة... هعمل أي حاجة تقولي عليها، بس سيبني أعيش تحت سقف واحد مع ابني."

​قالتها "ليلى" وصوتها بيترعش، بس عينيها كانت متعلقة بالباب اللي جاي منه صوت ضحكة "زين".
​طارق بصلها بقرف، سحب الورقة اللي عليها شهادة وفاتها المزورة وحطها في جيبه، وبعدين رمى قدامها ملف تاني.

"امضي هنا. ده عقد عملك كـ 'رحمة'، أخصائية التخاطب. إقامتك هتكون في أوضة الضيوف اللي في البدروم، أبعد مكان عن جناح زين. مفيش أكل مع العيلة، مفيش كلام مع الخدم، وممنوع منعاً باتاً تقربي من ابني بره مواعيد الجلسات.. مفهوم؟"

​مسكت القلم وإيديها بتنتفض، مضت على العقد وهي حاسة إنها بتمضي على وثيقة عبوديتها في جحيم طارق السيوفي.

​"امشي قدامي." قالها بجمود وهو بيفتح باب المكتب.

​مشيت وراه في الممرات الواسعة بتاعة القصر. كل ركن فيه بيفكرها بذكرى. هنا كانوا بيضحكوا، وهنا كانوا بيختاروا ألوان الحيطان وهم بيجهزوا لولادة زين. بس القصر دلوقتي كان كئيب، ضلمة، كأنه مقبرة.

​وصلوا لجنينة القصر الخلفية. قلب ليلى كان بيدق بسرعة لدرجة إنها حست إنه هيقف.

"زين." طارق نادى بصوت حنين لأول مرة تسمعه من سنين.

​طفل صغير، ملامحه نسخة مصغرة من طارق بس واخد لون عينيها العسلي، كان قاعد على الأرض بيلعب بمكعبات. أول ما شاف طارق، قام جري عليه وحضنه. طارق شاله وباس راسه، ونظرته اتحولت من القسوة البشعة لأمومة وحنية غريبة.
​ليلى وقفت متسمرة.. ده حتة منها. ده اللي كبر في بطنها ٩ شهور. حست بنار في صدرها، كانت عايزة تصرخ، تاخده في حضنها وتشم ريحته، بس نظرة طارق اللي اترميت عليها زي الخنجر خلتها تتسمر في مكانها.

​"زين يا بطل.. دي ميس رحمة.. اللي هتلعب معاك كل يوم." طارق نزل زين على الأرض.

​زين بص لليلى. عيونه الواسعة كانت بتدرسها. ليلى نزلت على ركبها قدامه، دموعها اتجمعت في عينيها بس حاولت تبتسم، مدت إيديها وهي بتترعش: "أهلاً يا زين.. أنا.. أنا بحبك أوي."

​زين بصلها ثواني، وبعدين مد إيده الصغيرة ومسح دمعة نزلت غصب عنها على خدها. اللمسة دي كانت كفيلة تخلي ليلى تنهار من جواها. الطفل اللي الدكاترة قالوا لطارق إنه انطوائي وبيرفض الغرباء، كان حاسس بيها.

​طارق شد زين بسرعة لورا، ووشه احتقن بالغضب.
"الجلسة مدتها ساعة بس. وإياكي أشوفك بتعيطي قدامه تاني. ابني مش محتاج شفقة من واحدة زيك." قالها طارق من بين أسنانه.

​عدى أسبوعين.
ليلى عايشة في البدروم، بتشوف ابنها ساعة واحدة بس في اليوم تحت مراقبة كاميرات طارق ونظراته اللي مابترحمش. زين بدأ يتحسن بشكل ملحوظ، بدأ يطلع أصوات، وبقى دايماً يستنى ميعاد "ميس رحمة" بفارغ الصبر.

​وفي ليلة من الليالي، الجو كان بيمطر رعد وبرق.
ليلى كانت قاعدة في أوضتها في البدروم، وفجأة سمعت صوت صريخ خافت جاي من فوق. قلبها اتقبض. عارفة إن طارق مسافر يومين في شغل، وإن زين بيخاف جداً من صوت الرعد.

​طلعت تجري على السلالم زي المجنونة، متجاهلة كل أوامر طارق وتعليماته. وصلت لجناح زين، فتحت الباب لقت "دادة أمينة" نايمة على الكرسي مش حاسة بحاجة، وزين مستخبي تحت السرير، حاطط إيديه على ودانه وبيترعش وبيعيط بصمت يقطع القلب.

​ليلى نزلت على الأرض، زحفت لحد عنده وشدته لحضنها. لأول مرة من ٤ سنين تاخده في حضنها بجد.

"ششنن.. بس يا حبيبي.. أنا جنبك.. أنا ماما يا قلب ماما.." همست بيها من غير وعي وهي بتعيط.
​زين مسك في هدومها بكل قوته، ودفن وشه في رقبتها.

عشان تهديه، بدأت تغنيله بصوت واطي أوي، أغنية معينة.. تهويدة كان طارق مألفها وكاتب كلماتها لليلى وهي حامل، ومحدش في الدنيا كان يعرف الأغنية دي ولا لحنها غيرها هي وطارق بس.

​"يا نور عيني اللي مستنيه.. يا حلم في قلبي أنا مخبيه..."

​زين بدأ يهدى، ونفسه ينتظم في حضنها. ليلى قفلت عينيها وحست إن الدنيا كلها مافيهاش غيرها هي وابنها.

​وفجأة...
النور بتاع الأوضة نور مرة واحدة.
ليلى رفعت راسها برعب والدموع مغرقة وشها، عشان تلاقي "طارق" واقف على باب الأوضة، هدومه مبلولة من المطر، وعروق رقبته نافرة من الغضب.

​كان المفروض يرجع بكرة، إيه اللي جابه دلوقتي؟!

​طارق فضل باصص لها ثواني والنار بتغلي في عروقه. الأغنية دي.. التهويدة دي اللي ألفها بقلبه ليها وهي حامل.. إزاي ليها عين تغنيها دلوقتي بعد ما باعتهم وفضلت الفلوس عليهم؟!

​خطى ناحيتها بخطوات تقيلة ومرعبة. شدها من دراعها بعنف وقومها من جنب زين اللي كان راح في النوم، وكتم صرختها بإيده التانية عشان مايصحيش الولد.

​زقها ناحية الحيطة بره الأوضة، وعينيه الرمادي بتطق شرار، همس في ودنها بفحيح أفعى:
"إنتي اتجننتي؟ بأي حق.. بأي حق بتغني له الأغنية دي؟ لسه فاكراها؟ جاية تمثلي دور الأم الحنينة وتلعبي بمشاعره بعد ما رميتيه بمليون جنيه؟"

​ليلى حاولت تتكلم ودموعها بتنزل، مسكت في لياقة قميصه المبلول: "أنا مابعتوش.. دي أغنيتنا يا طارق.. أنا أمه ومن حقي أحضنه لما يخاف.. أنا معملتش حاجة من اللي بتقول عليها دي!"

​طارق رفع إيده وكان لسه هيسكتها بقسوة، بس فجأة... سمعوا صوت كعب عالي بيخبط على الأرض في الطرقة، وصوت أنثوي دلوع بيقول:
"طارق حبيبي.. إنت وقفت هنا ليه؟ مش قولتلي هنروح أوضتنا عشان أوريك فستان فرحنا؟"

​ليلى بصت ناحية الصوت، والدم هرب من جسمها كله لما شافت الست اللي جاية ناحيتهم. مكنتش مجرد عروسة جديدة لطارق... دي كانت نفس الست اللي شافتها واقفة مع أبو طارق بتاخد الفلوس يوم ما ولدت زين وهربوها من المستشفى!
ليلى فضلت باصة للست كأنها شافت شبح.
وشها ما اتغيرش... نفس الملامح، نفس الابتسامة الباردة، حتى السلسلة الدهب اللي كانت لابساها يوم المستشفى لسه في رقبتها.
همست من غير ما تحس: "إنتِ..."
الست وقفت مكانها، واتسعت عينيها للحظة، لكنها رجعت ابتسمت بسرعة وقالت: "مين دي يا طارق؟"
طارق رد ببرود: "دي ميس رحمة... أخصائية التخاطب."
لكن الست فضلت باصة لليلى، ووشها بدأ يفقد لونه.
واضح إنها عرفتها.
ليلى قالت وهي بتتنفس بالعافية: "أنا شوفتك... يوم ولادتي... كنتِ واقفة مع والد طارق... خدتي منه شنطة فلوس... وبعدها صحيت لقيت ابني مات..."
الست ضحكت ضحكة قصيرة وقالت بثقة: "شكلها اتأثرت بالشغل مع الأطفال."
لكن رعشة صوتها فضحتها.
طارق بص بين الاتنين باستغراب.
"إنتوا تعرفوا بعض؟"

تم نسخ الرابط