اخت جوزي ضربتني بالقلم
وشها كان شاحب وعينيها حمرا من العياط.
أول ما شافتني قالت: — حقك عليا يا بنتي… أنا ربيت بنت شيطان.
سكتُّ.
كملت وهي بتمسح دموعها: — كريم من يوم الفرح وهو سايب البيت. اتخانق مع أخته خناقة كبيرة… ولأول مرة في حياته يطردها من بيته قدام جوزها.
قلبي دق بعنف… بس حاولت أبان جامدة.
قالت: — ومن يومها وهو مش بياكل ولا بينام… ورافض يطلقك.
ضحكت بمرارة: — بس هو حلف عليا بالطلاق بنفسه.
هنا حماتي بصتلي بوجع وقالت: — علشان كده جايالك… لأن في مصيبة أكبر.
قلبي وقع.
همست: — شيماء… راحت قالت للناس كلها إنك انتي اللي ضربتيها. والبلد بقت سيرة.
حسيت الدم غلي في عروقي.
لكن حماتي طلعت موبايلها، وفتحت فيديو.
وقالت: — بس هي متعرفش إن كاميرا الفرح صورت كل حاجة.
إيدي اترعشت وأنا بشوف الفيديو… شيماء وهي بتضربني. كريم وهو ماسكني. ونظراتي المكسورة قدام الناس.
حماتي قالت بحزم: — الفيديو ده وصل لجوز شيماء.
رفعت عيني بسرعة: — وبعدين؟
قالت: — طلقها.
شهقت.
كملت: — وقال إنه عاش سنين مع واحدة مؤذية ومريضة بالغيرة، وإنها خربت بيت أخوها بإيديها.
ولأول مرة… حسيت إن ربنا جاب حقي بطريقته.
بعد شهر…
كريم جه عند بيت أبويا.
كان شكله متبهدل. دقنه طويلة وعينيه غرقانة ندم.
قعد قدامي وقال بصوت مكسور: — أنا خوفت وقتها… خوفت الناس تقول إن مراتي مدت إيدها على أختي الكبيرة. بس بعد ما مشيتي…
سكت شوية، وبعدين قال: — أنا آسف يا سمر.
الاعتذار كان صادق… لدرجة وجعتني.
لكن الجرح كان أعمق من كلمة آسف.
قلتله وأنا ببص بعيد: — تعرف أكتر حاجة كسرتني إيه؟ مش القلم… ولا كلام أختك… اللي كسرني إنك خليتني أختار بين كرامتي وبين بيتي.
دموعه نزلت لأول مرة.
وقال: — طب اديني فرصة أصلّح اللي اتكسر.
بصيتله طويل…
وقلبي كان بيشدني ليه… بس كرامتي كانت لسه بتنزف.
وساعتها… طلع من جيبه حاجة صغيرة، وحطها قدامي.
علبة تحليل حمل.
وعليها خطين.
اتجمدت مكاني.
همس بصوت مرتعش: — انتي كنتي حامل يا سمر… والدكتور أكدلي النهارده.
حطيت إيدي على بقي من الصدمة… والدنيا لفت بيا.
وفي اللحظة دي بس… عرفت إن حياتنا كلّها كانت داخلة على اختبار أصعب بكتير من مجرد قلم في فرح
بصيت لعلبة التحليل بإيدي… وحسيت إن الأرض بتتمرجح تحت رجلي.
حامل؟!
أنا أصلًا كنت متلخبطة من التوتر والزعل، والدورة متأخرة، لكن عمري ما توقعت إن وسط الخراب ده كله… يبقى فيه روح صغيرة بتتكوّن جوايا.
رفعت عيني لكريم… لقيته بيبصلي بخوف حقيقي، خوف أول مرة أشوفه في عينيه.
قال بصوت مبحوح: — والله لو كنت أعرف إنك حامل… عمري ما كنت سيبتك تمشي وانتي بالحالة دي.
ضحكت بوجع: — يعني كنت هتقف في صفي علشان ابنك… مش علشاني أنا؟
الكلمة نزلت عليه زي السكينة.
وطّى راسه وسكت.
ودي كانت أول
الأيام اللي بعديها كانت الأصعب.
أبويا رافض رجوعي. أمي بتقولي: “الراجل اللي يكسر مراته مرة… هيكسرها ألف.” وحماتي كل يوم تتصل تعيط وتترجاني أرجع.
أما كريم… فكان كل يوم واقف تحت بيتنا.
في الحر. وفي البرد. وفي عز المطر.
ساكت.
لا بيزعق… ولا بيضغط عليا.
بس مستني.
وفي يوم، وأنا واقفة من البلكونة، شوفته ماسك كيس صغير وواقف تحت العمارة.
أخويا نزل يتخانق معاه: — مش قولنالك متجيش تاني؟!
لكن كريم قاله بهدوء: — هسيب الحاجة دي وأمشي.
أخويا خد الكيس بعصبية وطلع.
فتحناه…
لقيت فيه الكعب العالي اللي وقع مني يوم الفرح.
متنضف… ومتصلح.
وتحتهم ورقة صغيرة مكتوب فيها:
“اليوم اللي وقعت فيه كرامتك وأنا ساكت… كان أوحش يوم في حياتي. ولو رجع بيا الزمن… كنت مسكت إيدك، مش سكت عليها.”
قريت الرسالة… وقعدت أعيط لأول مرة من قلبي.
لأن الإنسان ساعات بيغلط… بس مش كل الناس تعرف تعترف بغلطها.
بعد أسبوع، وافقت أقابله.
قعد قدامي في كافيه صغير، وشكله متوتر كأنه داخل امتحان مصيري.
أول ما قعد قال: — أنا مش جاي أضغط عليكي ترجعي. أنا جاي أقولك إنك كان عندك حق… كامل. وأني اتربيت طول عمري إن “الست تسكت علشان البيت يمشي”… واكتشفت متأخر إن السكوت بيكسر البيت أكتر.
سكت شوية، وبعدين قال: — أنا قطعت علاقتي بشيماء. ولحد النهارده مش بدخلها بيتي. ومش
بصيتله وأنا بحاول أقرأ عينيه… ولأول مرة حسيت إنه بيتكلم كرجل ناضج، مش أخ صغير خايف من أخته.
قال وهو بيبص على بطني: — أنا نفسي ابني يطلع راجل يحمي مراته… مش يكسفها.
الجملة دي هزتني من جوا.
رجعت البيت بعد شهرين.
بس رجوعي المرة دي كان مختلف.
رجعت بشروط.
وأول شرط قولته لكريم: — أي حد يهيني… حتى لو كانت أمك نفسها، لازم تبقى ضهري مش عليا.
هز راسه فورًا وقال: — أوعدك.
وفعلًا… أوفى.
لأن بعد رجوعي بأسبوع، شيماء حاولت تيجي البيت تعمل مشكلة كعادتها.
لكن المرة دي…
كريم وقف عند الباب وقالها بمنتهى الحزم: — البيت ده لو هتدخليه، هتدخليه تحترمي مراتي. غير كده… ملكيش مكان هنا.
شيماء بصتله بصدمة: — علشانها بتطرد أختك؟!
رد عليها ببرود: — لا. علشانك عمرك ما احترمتيني ولا احترمتي بيتي.
ولأول مرة… شيماء سكتت.
ومشيت.
بعد 7 شهور…
كنت نايمة في أوضة المستشفى، وصرخة طفل صغير ماليه المكان.
الدكتور ضحك وقال: — مبروك… جالك ولد زي القمر.
كريم أخد ابنه بإيد بترتعش… وبعدين بصلي.
والدموع في عينيه.
همسلي: — متشكر إنك مهدتيش بيتنا يوم ما أنا كنت أضعف من إني أحافظ عليه.
ابتسمت بتعب، وقلتله: — وأنا متشكرة إنك اتغيرت قبل ما تخسرنا للأبد.
قرب ابننا مني… وحطه على صدري.
وفي اللحظة دي… افتكرت قلم شيماء.
واستوعبت حاجة مهمة جدًا:
إن
وحقيقة نفسك كمان.