اختبار

لمحة نيوز


دليل؟
حطيت الورقة على المنضدة.
وقلت الدليل مش ورقة الدليل السنين اللي اتسرقت مني.
كريم كان قاعد على الطرف التاني.
مش نفس الشخص اللي كنت أعرفه.
مكسور بس مش نادم.
أو يمكن نادم بس متأخر.
بصلي مرة واحدة.
بس ماكانش فيه أي حاجة في عينه.
ولا حب.
ولا كره.
بس فراغ.
بعد الجلسة، حاول يقرب مني في الممر.
قال بصوت منخفض إنتي كبرتِ الموضوع أوي.
بصيت له.
مش بغضب.
ولا ضعف.
بهدوء غريب
لا أنا اللي صغّرت نفسي أوي زمان. دلوقتي بس بترجع لحجمها الحقيقي.
سكت.
وبعدين قال إحنا نقدر نصلح
قاطعته إنت مش محتاج تصلح إنت محتاج تعترف.
وسبتُه ومشيت.
عدت سنة تانية.
حياتي بدأت تبقى مختلفة تمامًا.
اشتغلت في منصب أعلى في الشركة.
وبقيت أدير فريق كامل.
بس أهم حاجة مش المنصب.
أهم حاجة إني ما بقيتش اللي تستحمل.
بقيت اللي تقرر.
في يوم عادي جدًا، وأنا راجعة من الشغل، لقيت ظرف عند باب الشقة.
من غير اسم.
فتحت.
لقيت جواه ورقة واحدة.
مش اعتذار.
مش فلوس.
بس جملة بخط كريم
أنا خسرتك لما كنتي لسه بتدي فرصة.
قفلت الورقة.
وقعدت شوية ساكتة.
مش حزينة.
ولا فرحانة.
بس لأول

مرة مفيش أي رجوع جوايا.
أمي دخلت عليا المطبخ وقالت وهي بتضحك لسه بتفكري؟
ابتسمت لا خلاص.
قالت على إيه؟
بصيت لها.
وقلت على إنّي اتأخرت في القرار بس ما اتأخرتش في الخلاص.
ضحكت.
وقالت يبقى اتعلمتي.
في آخر الليل، قعدت لوحدي.
مش شغّالة.
مش مرهقة.
بس هادية.
طلعت الورقة الصفراء القديمة.
وبصيت لها آخر مرة.
وقلت بصوت واطي جدًا
شكراً إنك كنتي السبب إني أصحى.
وبعدين مزقتها.
مش غضب.
لكن نهاية.
نهاية قصة كانت مفروض ما تبدأش بالشكل ده.
وبداية حياة ما بقتش فيها أنا الضحية.
ولا البطلة.
بس الإنسانة اللي أخيرًا اختارت نفسها.
مرّت سنة كمان.
بس المرة دي الزمن ماكانش بيعدّي عليّ زي الأول.
ماكانش بيجري وأنا بمسك في حافة يومي عشان أعدّي اللي بعده، ولا واقفة على أطراف تعب مستني يخف.
كان بيعدّي وأنا موجودة فيه.
حقيقية.
مش متقسمة بين مستشفى وبيت وشغل وخوف.
ولا مستنية مكالمة تقولي إن في كارثة جديدة لازم أتحملها لوحدي.
الشقة اللي عشت فيها بعد كل حاجة ما بقيتش مجرد مكان.
بقت مساحة ليّا.
فيها ضحك أمي، وصوتها وهي بتطلب مني أكل، وراديو صغير بنشغله الصبح.

وفيها هدوء ما كنتش أعرف إنه ممكن يبقى مريح بالشكل ده.
الهدوء اللي مش فراغ لكن امتلاء من غير ضغط.
شغلي اتغير.
ما بقيتش بس سلمى الموظفة.
بقيت سلمى اللي بتقود مشروع.
اللي الناس بترجع لها في القرارات.
واللي صوتها لما بيتقال بيتسمع.
وأنا لأول مرة في حياتي ما كنتش محتاجة أرفع صوتي عشان حد ياخدني بجد.
أما كريم
فبقى مجرد اسم قديم في سجل طويل.
القضية خلصت بحكم واضح.
تعويضات.
تجميد أصول.
ومسؤولية قانونية عن التزوير والتحويلات غير القانونية.
لكن اللي كان أهم من الحكم إن حياتي أنا اتحكمت من جواها من تاني.
في يوم، وأنا ماشية في الشارع، شفت واحد بيشبهه.
نفس الوقفة تقريبًا.
نفس الارتباك اللي كنت فاكراه زمان إنه انشغال.
وقفت لحظة.
مش وجع.
ولا صدمة.
بس مقارنة صامتة بين اللي كنت فيه واللي أنا بقيت عليه.
ومشيت.
من غير ما أبص ورا.
في المساء، كنت قاعدة جنب أمي.
هي كانت بتقلب في التلفزيون، وأنا ماسكة كوباية شاي.
قالت فجأة إنتي مبقيتيش زي الأول.
سألتها بهدوء وحشة ولا أحسن؟
ابتسمت أحسن بكتير الأول كنتي موجودة بس مش عايشة.
سكتت.
لأن الجملة دي
لمسَت كل حاجة اتكسرت فيا زمان واتصلحت بطريقتها.
في آخر الليل، لما الدنيا هديت تمامًا، قعدت لوحدي.
فتحت الشباك.
والهوا دخل بهدوء.
مش زي الهوا اللي كنت بستنّاه زمان وأنا مرهقة في المستشفى ده كان مختلف.
خفيف.
كأنه ماشي من غير ما يطلب مني أتحمّل حاجة.
افتكرت الورقة الصفراء القديمة.
افتكرت اللحظة اللي بدأت فيها أفهم إن السكوت مش نجاة.
وإن الحب اللي يطلب منك تختفي مش حب.
افتكرت نفسي وأنا بانهار في ممر المستشفى، وأنا فاكرة إني قوية وأنا في الحقيقة كنت بس بتأجل الانكسار.
وبصيت لنفسي في المراية.
مش عشان أراجع اللي فات.
لكن عشان أتأكد إن اللي قدامي مش نفس الست.
لقيتني مختلفة.
مش أقسى.
لكن أوضح.
مش أضعف.
لكن أثبت.
مش مسامحة عشان النسيان لكن متصالحة مع الذاكرة.
وقلت بصوت هادي، كأني بختم فصل طويل جدًا من كتاب عمري
أنا ما خسرتش حياتي أنا كنت بس عايشة حياة مش بتاعتي.
سكت شوية.
وبعدين كملت
ودلوقتي رجعتها لنفسي.
قفلت النور.
بس المرة دي ماكنش في خوف من الظلام.
لأن الظلام ما بقاش مكان ضياع
بقى مجرد جزء من اليوم.
زيه زي النور.
وأنا لأول مرة
في حياتي مش محتاجة حد ينورلي الطريق.
أنا اللي بقيت بطريقي.
ونهاية القصة ماكنتش إنهم خسروني.
النهاية الحقيقية كانت إني بطلت أخسر نفسي.

 

تم نسخ الرابط