عامل النظافه

لمحة نيوز

فقط.
الصاعقة الحقيقية جاءت عندما قال الشاب الأكبر يا عمي، أنت لا تعرف ماذا فعلت المال الذي كنت تضعه لأمي جعلنا نكمل المدرسة. أنا الآن معلم، وأختي ممرضة، وأخي يعمل مهندسًا، وكلنا كبرنا ونحن نسمع عنها تقول لا تنسوا صاحب الكيس الأسود.
بكيت أكثر، لأنني لم أكن أعرف أن طعامًا وضعته في سلة قمامة صار سببًا في تغيير عائلة كاملة.
ثم قال الشاب وهو يمسك يدي أمي أوصتنا لو عرفناك يومًا، نقول لك جملة واحدة أنت لم تكن تعطينا بقايا مالك كنت تعطينا حياة.
خرجت من بيتهم يومها وأنا شخص مختلف.
كنت عامل نظافة بسيطًا، لم أملك ثروة ولا منصبًا، لكنني عرفت أن الرحمة إذا خرجت من القلب قد تصل إلى أماكن لا يتخيلها الإنسان.
ومنذ ذلك اليوم، كلما رأيت سلة قمامة، لا أرى قمامة فقط.
أرى أمًا كانت تبحث عن طعام لأطفالها.
وأرى كيسًا أسود صغيرًا صار باب نجاة.
وأقول في نفسي ربما لا يحتاج الإنسان أن يكون غنيًا ليغيّر حياة أحد أحيانًا يكفي أن يرى وجع الناس دون أن يفضحهم.
فهل تتخيلون أن مساعدة بسيطة في الخفاء قد تصنع مستقبل سبعة أطفال؟ وهل هناك أجر أعظم من أن تحفظ كرامة إنسان لا يعرف حتى اسمك؟
بعد تلك الزيارة لم أستطع النوم لأيام.
كانت كلمات أم خالد تدور في رأسي كل ليلة أنت لم تكن تعطينا بقايا مالك كنت تعطينا حياة.
ظللت أرددها وأنا أحدق في سقف غرفتي، كأنها لم تكن رسالة
من امرأة فقيرة بل شهادة ستُسأل عنها روحي يوم القيامة.
وفي الليلة الرابعة، لم أتحمل أكثر.
قمت قبل الفجر، ارتديت ملابسي القديمة، وخرجت أمشي وحدي في الشوارع الهادئة حتى وصلت إلى تلك السلة نفسها.
نفس المكان.
نفس الرصيف.
لكن كل شيء بدا مختلفًا.
وقفت أمامها طويلًا ثم وضعت كيسًا أسود جديدًا داخلها.
لكن هذه المرة لم يكن لأم خالد.
هذه المرة كان لقلبي أنا.
كنت أشعر أنني إذا توقفت عن هذا الفعل سأفقد شيئًا من إنسانيتي.
وبينما أنا واقف هناك، سمعت صوتًا خلفي يقول حضرتك أنت صاحب الكيس الأسود؟
التفت بسرعة.
كان شابًا صغيرًا، ربما في السادسة عشرة، يحمل حقيبة خبز على كتفه.
ارتبكت ولم أعرف ماذا أقول.
اقترب مني وقال بخجل أنا ابن صاحب المخبز آخر الشارع أمي كانت تعرف أم خالد.
صمت لحظة، ثم أكمل هي كانت تقول إن فيه راجل بييجي كل يوم قبل الفجر ويحط أكل للست الغلبانة وأنا من وقتها كنت مستني أشوفه.
شعرت بالخجل وكأن أحدًا كشف سرًا أخفيه عن العالم.
قلت بسرعة أنا ما عملتش حاجة تستاهل.
لكن الولد هز رأسه وقال جملة كسرتني لا يا عم الناس كلها كانت شايفة الست وهي بتفتش في الزبالة بس حضرتك الوحيد اللي شفت وجعها.
والله شعرت وقتها أن الدنيا كلها سكتت.
لأن الفرق بين البشر أحيانًا ليس في من يرى بل في من يشعر.
مد الولد يده بكيس صغير وقال ماما بعتت ده معايا فيه عيش سخن.
قالت لو شفت صاحب الكيس الأسود إديلهوله.
أخذت الكيس وأنا لا أستطيع الكلام.
ثم قال إحنا كمان هنبدأ نحط أكل هنا كل يوم.
نظرت إليه مصدومًا.
فابتسم وقال يمكن فيه أم خالد تانية محدش شايفها.
ومنذ ذلك اليوم بدأ شيء غريب يحدث في الحي.
صاحب المخبز صار يترك الخبز قبل الفجر.
صاحب محل الخضار يضع كيس بطاطس وطماطم.
امرأة عجوز من العمارة المقابلة كانت تضع ملابس أطفال نظيفة بعد غسلها وكيّها.
حتى الصيدلي القريب صار يضع أدوية مجانية داخل أكياس صغيرة مكتوب عليها لمن يحتاج دون سؤال.
ولا أحد كان يعرف من بدأ الحكاية.
لكن الجميع صاروا يعرفون شيئًا واحدًا أن الجوع ليس دائمًا جوع بطن أحيانًا يكون جوع كرامة.
وبعد أشهر، تغيّر المكان كله.
الناس الذين كانوا يمرون بجوار عمال النظافة وكأنهم هواء صاروا يلقون السلام.
الأطفال الذين كانوا يسخرون من الفقراء صاروا يتركون جزءًا من مصروفهم داخل صندوق صغير وضعه أهل الحي قرب المسجد.
حتى سلة القمامة نفسها اختفت لاحقًا.
ووضع أهل الحي مكانها صندوقًا خشبيًا نظيفًا كتبوا عليه
خذ ما تحتاج واترك ما تستطيع.
وفي أحد الأيام، بينما كنت أمر بجوار الصندوق، رأيت رجلًا يقف بعيدًا يراقب المكان ويبكي.
اقتربت منه وسألته مالك يا أخي؟
نظر إليّ بعينين حمراوين وقال أنا كنت واحد من أطفال أم خالد.
تجمدت في مكاني.
كان أصغر أولادها لكنه أصبح
شابًا طويلًا يرتدي بدلة محترمة.
قال وهو يمسح دموعه كنت فاكر إن أمي كانت بتكذب لما تقول إن فيه ملاك بينقذنا كل يوم لكن لما كبرت فهمت إن الملاك ممكن يكون إنسان عادي جدًا.
ثم أخرج من جيبه ظرفًا أبيض وقال أنا سافرت الخليج واشتغلت سنين وده أول مرتب كبير جمعته. عايز أبدأ بيه جمعية تساعد أي أم ما تضطرش تدور في الزبالة تاني.
والله شعرت أن قلبي سيتوقف.
لأن الخير الحقيقي لا ينتهي عند الشخص الذي يفعله
الخير الحقيقي هو الذي يُورَّث.
هو الذي يجعل الطفل الجائع يكبر وهو لا يريد الانتقام من الدنيا بل يريد أن يطعم غيره.
مرت سنوات بعدها.
كبرت أكثر، وضعف جسدي، وصرت بالكاد أستطيع المشي.
لكن حتى اليوم كلما مررت بجوار ذلك الشارع، أتوقف دقائق.
أرى الأطفال يضعون الطعام في الصندوق الخشبي.
أرى الأرامل يأخذن ما يحتجن دون خوف.
أرى رجالًا يخفون المساعدة داخل أكياس سوداء حتى لا يجرحوا كرامة أحد.
وأبتسم.
لأن أم خالد رحلت لكن رحمتها بقيت تمشي بين الناس.
وفي آخر مرة زرت فيها المكان، وجدت طفلًا صغيرًا يسأل أمه مين اللي بدأ فكرة الصندوق ده؟
ابتسمت الأم وقالت راجل طيب كان فاهم إن الفقير مش محتاج شفقة محتاج حد يحافظ على كرامته.
وقتها فقط
رفعت رأسي للسماء وقلت بصوت مرتجف
يارب إذا كانت أعمالنا الصغيرة تستطيع أن تنقذ بشرًا بهذا الشكل فلا تجعلنا أبدًا نستصغر المعروف.

لأنك لا تعرف أبدًا أي كيس أسود صغير قد يتحول يومًا إلى حياة كاملة لعائلة بأكملها.

تم نسخ الرابط