عامل النظافه

لمحة نيوز

قصة حقيقية وواقعية حدثت في مصر كان عامل النظافة يضع كيس طعام ومال كل يوم داخل سلة القمامة حتى لا تضطر أم فقيرة أن تبحث عن بقايا الطعام أمام أطفالها لكنه لم يكن يعرف أن اليوم الذي ستتوقف فيه عن الحضور سيكشف له سرًا يجعله يبكي كما لم يبكِ في حياته.
يقول صاحب القصة منذ سنوات طويلة، كنت أعمل عامل نظافة في أحد الأحياء البعيدة، كنا فريقًا من ستة عمال، نتحرك كل صباح بشاحنة صغيرة لتفريغ سلات القمامة الموضوعة أمام البيوت في أطراف الحي.
كان العمل متعبًا، والرائحة صعبة، والناس تمر بجوارنا كأننا غير موجودين، لكنني كنت راضيًا، أقول لنفسي إن الرزق الحلال مهما كان متعبًا يبقى أكرم من سؤال الناس.
في أحد الأيام، وصلنا إلى حي هادئ كعادتنا، نزل كل عامل يجهز سلة ليتم تفريغها داخل الشاحنة، واقتربت أنا من إحدى السلات عند طرف الشارع، لكنني توقفت فجأة.
رأيت امرأة تقف بجانب السلة، تفتش بداخلها بيدين مرتجفتين، تجمع بقايا الطعام في كيس قديم، وخلفها سبعة أطفال، أربعة أولاد وثلاث بنات، وجوههم شاحبة، وعيونهم معلقة بيد أمهم كأنهم ينتظرون نجاة صغيرة من وسط القمامة.
تجمدت في مكاني، لم أرد أن أقترب حتى لا أحرجها، ولم أرد أن أصرخ حتى لا يراها زملائي، فقط وقفت بعيدًا أراقبها ودموعي تحرق عيني.
كانت تفتش بسرعة وخجل، تلتقط قطعة خبز، بعض الخضار، بقايا طعام ملفوفة في ورق، ثم تنظر حولها بخوف كأن الفقر جريمة يجب أن تخفيها.
وعندما انتهت، أمسكت بأيدي أطفالها ومشت بسرعة، كأنها تهرب من نظرات العالم قبل أن تهرب من رائحة القمامة.
اقتربت بعدها من السلة وأنا

أمسح دموعي، فرأيت بقايا الطعام الملوثة التي تركتها، وشعرت أن قلبي انكسر، لأنني كنت أبًا، وأعرف معنى أن ينظر الطفل إلى أبيه أو أمه وهو جائع.
في اليوم التالي، عدنا إلى نفس الحي في نفس التوقيت، فنزلت من الشاحنة وركضت نحو تلك السلة قبل أن يصل إليها أحد زملائي، كنت خائفًا أن يراها أحد فيجرحها بكلمة أو نظرة.
وجدتها هناك من جديد.
نفس المرأة.
نفس الأطفال.
نفس الخجل.
نفس الجوع الذي لا يرحم.
فعلت كما فعلت في اليوم السابق، وأنا وقفت بعيدًا أحرس كرامتها من أعين الناس، حتى انتهت وغادرت.
من ذلك اليوم قررت أن أساعدها، لكن بطريقة لا تجعلها تشعر بالذل.
رجعت إلى البيت وقلت لزوجتي جهزي لي طعامًا كثيرًا غدًا، خبزًا، أرزًا، دجاجًا إن وجد، وأي شيء نستطيع أن نضعه في كيس.
سألتني زوجتي لمن؟.
قلت لها لأم تبحث في القمامة كي تطعم أطفالها.
سكتت زوجتي لحظة، ثم دخلت المطبخ، وفي الصباح أعطتني كيسًا أسود كبيرًا فيه طعام نظيف ومرتب، ووضعت فيه بعض الخبز، وأنا وضعت داخله مبلغًا صغيرًا من المال.
طلبت من السائق أن نبدأ بذلك الحي أولًا، وقبل أن تأتي المرأة، ركضت إلى السلة، وضعت الكيس داخلها في مكان واضح، ثم ابتعدت قليلًا وانتظرت.
بعد دقائق جاءت المرأة مع أطفالها، وبدأت تفتش كما اعتادت، ثم وجدت الكيس.
فتحت الكيس بحذر، وما إن رأت الطعام النظيف والمال حتى توقفت يدها في الهواء، ونظرت حولها بدهشة وخوف، ثم ضمت الكيس إلى صدرها وبدأت تبكي بصمت.
أما أطفالها، فقد التفتت عيونهم للطعام كأنهم رأوا عيدًا كاملًا داخل كيس أسود.
لم تأخذ من القمامة شيئًا ذلك اليوم.

حملت الكيس ومشت وهي تمسح دموعها بطرف حجابها، وأنا وقفت خلف الشاحنة أبكي، لكنني كنت سعيدًا بشكل لا أستطيع وصفه.
ومن ذلك اليوم، صرت أفعل الأمر نفسه كل صباح.
أضع الطعام والمال داخل كيس أسود في نفس السلة، قبل أن تصل المرأة.
كنت أراقبها من بعيد وهي تأخذه، أرى الفرحة في عيون أطفالها، وأعود إلى عملي وكأنني ملكت الدنيا.
وفي نهاية كل شهر، كنت أضع لها نصف راتبي تقريبًا، رغم أن راتبي لم يكن كبيرًا، لكنني كنت أقول لنفسي أنا عندي بيت وزوجة وستر أما هي فعندها سبعة أطفال وجوع لا ينتظر.
مرت شهور طويلة، وبدأت ألاحظ شيئًا غريبًا.
في البداية كانت تأتي ومعها أطفالها السبعة، ثم بعد فترة صارت تأتي وحدها.
فرحت في البداية، وقلت ربما الأطفال صاروا في المدرسة، أو ربما لم تعد تريد أن يروا أمهم عند سلة القمامة.
استمررت أضع الكيس كل يوم، وكانت تأتي وتأخذه وتغادر، دون أن تعرفني ودون أن أعرف اسمها.
حتى عندما تقاعدت من العمل بعد سنوات، لم أتوقف.
كنت أذهب بنفسي إلى نفس المكان، أضع الطعام والمال، وأختبئ بعيدًا حتى أراها تأخذه، فقد صار ذلك الفعل جزءًا من حياتي، وربما كان أجمل شيء فعلته دون أن يعرف أحد.
لكن بعد فترة، حدث ما أقلقني.
توقفت المرأة عن المجيء.
مر يوم.
ثم يومان.
ثم أسبوع كامل.
كان الكيس يبقى في مكانه، لا أحد يلمسه.
شعرت بالخوف عليها، وبدأ قلبي يحدثني أن شيئًا سيئًا حدث.
سألت بعض سكان الحي عنها، لكنني لم أكن أعرف اسمها، كنت أقول المرأة التي كانت تأتي عند سلة القمامة، فينظر إليّ الناس باستغراب.
وبعد سؤال طويل، دلّني رجل كبير على بيت
قديم في آخر الشارع وقال يمكن تقصد أم خالد كانت أرملة وعندها أولاد كثير، لكن من فترة ما عدنا نراها.
ذهبت إلى البيت وقلبي يدق بعنف.
كان بيتًا بسيطًا جدًا، بابه قديم، وجدرانه متعبة، طرقت الباب، ففتح لي شاب في أوائل العشرينات، نظيف الملابس، وملامحه محترمة، لكنه كان ينظر إليّ باستغراب.
قلت له هل هنا تسكن أم خالد؟.
تغير وجهه فورًا وسألني إنت تعرف أمي؟.
قلت بصوت مرتبك كنت كنت أساعدها من بعيد.
فتح الباب أكثر، ودعاني للدخول.
دخلت فوجدت على الجدار صورة المرأة نفسها.
لكنها كانت محاطة بشريط أسود.
فهمت قبل أن يتكلم.
قال الشاب بصوت حزين أمي توفيت من شهرين.
شعرت أن قدميّ لم تعودا تحملاني، وجلست على أقرب كرسي، ودموعي نزلت دون أن أستطيع إيقافها.
قال الشاب قبل ما تموت، كانت تحكي لنا عن رجل لا تعرفه، كان يضع لها طعامًا ومالًا في كيس أسود، وكانت تقول هذا ملاك أرسله الله لأطفالي.
لم أستطع الكلام.
ثم دخلت فتاة تحمل صندوقًا صغيرًا، وقالت أمي تركت شيئًا للرجل صاحب الكيس الأسود، وقالت لو جاء يومًا أعطوه له.
فتحت الصندوق بيدين ترتجفان، فوجدت داخله ورقة قديمة مطوية، وبعض العملات المعدنية الصغيرة، وصورة لأطفالها وهم صغار.
فتحت الورقة، وكان مكتوبًا بخط متعب
إلى الرجل الذي حفظ كرامتي قبل أن يطعم أطفالي أنا لا أعرف اسمك، لكن الله يعرفك. كنت أبحث في القمامة وأنا ميتة من الخجل، فجعلتني أعود إلى بيتي كأنني اشتريت الطعام بيدي. لم تنقذني من الجوع فقط، بل أنقذت أطفالي من أن يروا أمهم مكسورة. سامحني لأنني لم أشكرك في حياتي، وادعُ لي بعد موتي.
لم
أستطع إكمال الرسالة من البكاء.
لكن الصدمة لم تكن في الرسالة
تم نسخ الرابط