بعد عشر سنين جواز
“آه. عشان التقسيم بالنص.”
ولأول مرة… لونه اتغيّر فعلًا.
“إنتِ مكبرة الموضوع ليه؟”
ضحكت بخفة.
“مش إنت اللي بدأت؟”
سكت.
وبعدين قال بسرعة: “إحنا ممكن نتفاهم بينا.”
“أكيد… عند المحامي.”
وقمت من قدامه وسيبته باصصلي بصدمة.
—
الساعة اتنين، كنت قاعدة في مكتب المحامية “نهى”.
ست هادية جدًا… بس عينيها ما بيفوتهاش تفصيلة.
قرأت الورق كله بهدوء.
كل العقود.
كل التحويلات البنكية.
كل الإثباتات اللي تثبت إني كنت جزء من بناء الشركة.
رفعت عينها وقالت: “هو فاكر إنك مالكيش حق… عشان إنتِ ما كنتيش موظفة رسمي.”
هزّيت راسي.
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت: “بس القانون ما بيشوفش بس الورق الرسمي… بيشوف المساهمة الحقيقية.”
وبعدين طلعتلي حاجة أنا نفسي كنت ناسيّاها.
كشف تحويلات من حسابي القديم.
أول سنتين في الجواز… أنا اللي كنت بصرف على البيت بالكامل وهو بيبني شركته.
حتى أول مقر للشركة… كان متدفع من مكافأة نهاية خدمتي.
نهى بصتلي وقالت: “لو فتحنا القضية دي صح… هو ممكن يخسر نص الشركة فعلًا.”
حسّيت بحاجة غريبة.
مش شماتة.
وجع.
لأن الراجل اللي كنت مستعدة أبيع عمري عشانه… كان بيخطط يرميّ برا حياته زي أي حاجة قديمة.
—
رجعت البيت بالليل.
لقيته قاعد في الصالة لوحده.
الموبايل في إيده.
بس أول ما دخلت… قفله بسرعة.
واضح إنها هي.
الست التانية.
عدّيت من جنبه عادي.
قال: “إحنا لازم نتكلم.”
لفّيت له بهدوء: “اتفضل.”
اتردد شوية… وبعدين قال: “مافيش حد تاني.”
ابتسمت.
“كذبة ضعيفة جدًا.”
اتنرفز: “إنتِ فتشتي ورايا؟”
“لا. إنت اللي كنت مهمل.”
سكت.
ولأول مرة من سنين… شفته مرتبك.
“اسمها إيه؟” سألت بهدوء.
ما ردش.
لكن سكوته كان كفاية.
قعدت قدامه وقلت: “عارف أكتر حاجة وجعتني؟ مش الخيانة.”
رفع عينه ليا.
“إنك حاولت تخليني أحس إني عبء… بعد ما كنت أنا السبب إنك توصل للي إنت فيه.”
ملامحه ارتخت شوية… كأنه حس بالذنب أخيرًا.
لكن بعد ثانية، رجع ببروده: “الناس بتتغير.”
هزّيت راسي.
“صح. وأنا اتغيرت.”
—
بعدها بأسبوع… الدنيا انفجرت.
المحامية بعتت له الإنذار الرسمي.
وطبعًا… اتجنن.
اتصل بيا أكتر من عشرين مرة.
ما رديتش.
رجع البيت بدري لأول
دخل المكتب يدوّر على الملف الأزرق.
بس ما لقاهوش.
طلعلي وأنا واقفة في المطبخ.
“إنتِ عايزة تدمّريني؟”
لفّيت له ببطء.
“أنا؟”
ضرب بإيده على الترابيزة بعصبية: “إنتِ فاهمة لو الشركة اتقسمت هيحصل إيه؟!”
بصّيت له ثواني.
نفس الراجل اللي كان من أسبوع بيقول إني “ما بشتغلش”…
دلوقتي مرعوب من قيمة شغلي.
قلت بهدوء: “الظاهر إني كنت بشتغل فعلًا.”
ما عرفش يرد.
—
بس الصدمة الحقيقية… جات بعدها بيومين.
كنت راجعة من النادي مع الأولاد، ولقيت عربية واقفة تحت البيت.
ومنها نزلت ست طويلة، متأنقة بشكل مبالغ فيه.
عرفتها فورًا.
هي.
طلعت تبصلي بثقة مصطنعة.
وقالت: “ممكن نتكلم؟”
الأولاد كانوا ماسكين إيدي.
فقلت لهم يطلعوا فوق.
ولما اختفوا، بصتلها: “خير؟”
اترددت… وبعدين قالت: “هو قال إنكم منفصلين من زمان.”
ضحكت.
ضحكة قصيرة مريرة.
“قالك كده؟”
بدأ القلق يظهر على وشها.
واضح إنها ما كانتش تعرف الحقيقة كاملة.
طلعت موبايلها بسرعة، وفتحت صور.
هي وهو.
سفريات.
مطاعم.
هدايا.
وقالت: “أنا ما كنتش أعرف…”
قاطعتها بهدوء:
سكتت.
“إنه كان بيقول لي إني عبء… وهو اللي صارف عليكي من حساب الشركة.”
وشها شحب.
لأنها فهمت فورًا معنى الكلام.
اختلاس.
مصاريف شخصية من حسابات الشركة المشتركة.
وده قانونيًا… مصيبة.
في اللحظة دي بالذات، حسّيت إن الأرض بدأت تسحب منه كل حاجة واحدة واحدة.
سمعته بينادي اسمي من البلكونة فوق.
كان واقف مرعوب.
أول مرة أشوفه بالشكل ده.
وأول مرة… ما أحسش نحيتُه بأي شفقة.
—
القضية استمرت شهور.
وكل جلسة… كانت بتكشف حاجات أكتر.
حسابات مخفية.
تحويلات.
كذب.
وفي الآخر…
القاضي حكملي بنسبة كبيرة جدًا من الأصول، ونفقة محترمة، وحق قانوني في جزء من الشركة.
اليوم اللي خرجنا فيه من المحكمة… كان باصص للأرض.
أما أنا؟
كنت حاسة إني بتنفس لأول مرة من سنين.
—
بعد سنة…
فتحت مشروعي الخاص.
رجعت أشتغل.
رجعت أعيش.
ابني الكبير قالي يومها: “ماما… إنتِ بقيتي تضحكي أكتر.”
الجملة دي كانت أهم من أي حكم محكمة.
وفي ليلة هادية، وأنا قاعدة في شقتي الجديدة، جاتلي رسالة منه.
“أنا خسرت كل حاجة.”
بصّيت
وبعدين قفلت الموبايل من غير ما أرد.
لأنه أخيرًا فهم الحقيقة اللي اتأخر عشر سنين يفهمها…
أنا ما كنتش عبء.
أنا كنت الأساس.