بعد عشر سنين جواز
بعد عشر سنين جواز، جوزي قال بكل هدوء إنه عايز “نقسّم كل حاجة بالنص”.
بس اللي نسيه… كان تفصيلة صغيرة جدًا.
عشر سنين.
عشر سنين بصحى قبله كل يوم.
عشر سنين وأنا برتّب مواعيده، أجهّز أكله، وأحجز له سفراته.
عشر سنين حطّيت فيها أحلامي على جنب “عشان هو ينجح”.
وفي الليلة دي، وأنا بحط الأكل على السفرة، قالها بمنتهى البرود، كأنه بيطلب الملح.
“من أول الشهر الجاي، كل حاجة بالنص. أنا مش هصرف على حد عايش مرتاح من غير شغل.”
اتجمدت مكاني، والمعلقة في إيدي واقفة في النص.
استنيت يضحك.
ما ضحكش.
“إيه؟” قلتها وأنا بحاول أتمالك نفسي.
حط موبايله على الترابيزة بهدوء، كأنه محضّر للكلام ده من زمان.
“إحنا مش عايشين في الخمسينات. اللي عايش هنا لازم يدفع نصه. مساواة يعني.”
بصّيت حواليا في البيت.
البيت اللي أنا فرشته.
الستاير اللي خيطتها بإيدي.
السفرة اللي اشتريناها وإحنا بالعافية بندفع أقساطها.
“أنا فعلًا بساهم”، قلت بهدوء.
ضحك ضحكة قصيرة كلها استهانة.
“إنتِ أصلًا ما بتشتغليش.”
الجملة دي وجعتني أكتر من أي حاجة.
ما بتشتغليش.
كأن تربية العيال مش شغل. كأن إدارة البيت
“أنا سبت شغلي عشان إنت كنت عايز كده”، فكّرته.
قال ببرود: “قلت إن ده الأفضل للأسرة… بلاش دراما.”
بلاش دراما.
في اللحظة دي، حاجة جوايا ما اتكسرتش…
اتغيّرت.
لأني فجأة شفت حاجات كنت بتجاهلها بقالها سنين.
الموضوع ده ماكانش مفاجأة.
كان متخطط له.
الأسبوع ده كله كان مختلف.
يرجع متأخر.
يبتسم للموبايل.
ويهتم بنفسه زيادة عن اللزوم.
ما سألتش.
كنت بس براقب.
وفي يوم، نسي اللاب مفتوح. ماكنتش بدوّر على حاجة… بس الشاشة كانت قدامي.
ملف إكسل.
اسمي مكتوب في أول خانة.
“المصاريف اللي هتتحملها”.
إيجار متوقع. فواتير. أكل. تأمين صحي.
مبلغ مستحيل واحدة بقالها عشر سنين برا الشغل تدفعه.
وتحتهم ملاحظة:
“لو ماقدرتش تدفع… تمشي.”
تمشي.
فضلت باصة للكلمة.
وبعدين لاحظت ملف تاني.
“الميزانية الجديدة”.
فتحته.
اسم ست تانية مكتوب فوق.
مش اسمي.
نفس العمارة. شقة تانية. حياة تانية.
حسّيت قلبي اتقبض.
الموضوع ماكانش عن العدل.
كان بيحضّر يخرجني من حياته.
بالليل، وهو قاعد قدامي على
“أنا محتاج شريكة… مش عبء.”
بصّيت له في عينه.
“ومن إمتى بقيت عبء؟”
ما ردش بشكل مباشر.
قال: “أنا بس عايز واحدة على نفس مستوايا.”
على نفس مستوايا.
من عشر سنين، لما كان مرتبي أعلى من مرتبه، عمر “المستوى” ما كان مشكلة.
بس ما جادلتش.
هزّيت راسي وقلت:
“تمام.”
استغرب.
“تمام؟”
ابتسمت.
“آه. نقسّم كل حاجة بالنص.”
ولأول مرة الليلة دي… اتوتر.
“إنتِ متأكدة؟”
ابتسمت أكتر.
“أكيد.”
بس لو هنقسّم كل حاجة…
يبقى فعلًا كل حاجة.
البيت.
الاستثمارات.
الحسابات المشتركة.
حتى الشركة اللي عملها… وأنا كنت الضامن الأساسي فيها من غير ما آخد أي نسبة.
ملامحه اتغيرت للحظة.
خوف.
لأنه نسي حاجة مهمة…
إن بقاله عشر سنين، أنا اللي بمسك كل ورقة في البيت ده.
عارفة مكان كل عقد.
كل تحويل.
كل توقيع.
وفي ورقة هو نسي إنه مضى عليها… زمان، وقت ما كان بيقول إني “أحسن قرار أخده في حياته.”
بند صغير.
بس لو فعلًا هنقسم كل حاجة بالنص…
البند ده مش هيكون في صالحه خالص.
هو نام مرتاح الليلة دي.
أما أنا… ما نمتش.
فتحت خزنة المكتب بهدوء، وطلّعت ملف أزرق ما لمستوش
فتحت الورق.
وقريت البند تاني.
ولأول مرة من عشر سنين…
ابتسمت.
لأن لو هو عايز يقسم كل حاجة…
فهو لسه ما يعرفش إنه هيخسر أكتر بكتير مما كان متخيل.
صحيت قبل الفجر بساعة… مش عشان منبهة.
عشان قلبي كان صاحي قبلي.
بصّيت لجانبه في السرير.
نايم مرتاح… كأن ولا حاجة حصلت.
كأن عشر سنين مش ممكن تنهار بجملة واحدة.
قمت بهدوء، وفتحت الملف الأزرق فوق السرير.
كانت الورقة القديمة لسه موجودة.
عقد تأسيس الشركة.
وقفت عند آخر صفحتين… عند البند اللي وقّع عليه بإيده من غير حتى ما يقرأه وقتها، لأنه كان واثق فيا ثقة عمياء.
“في حالة الانفصال أو الطلاق، يحق للطرف الثاني الحصول على خمسين بالمئة من قيمة الأصول والشركة إذا ثبت مساهمته الإدارية أو المالية خلال أول عشر سنوات.”
ابتسمت وأنا بقفل الملف.
لأنه بنفسه كان كاتب اسمي تحت خانة: “المدير الإداري غير الرسمي”.
ساعتها كان بيقول لكل الناس: “هي اللي شايلة الشركة معايا.”
بس واضح إنه نسي.
—
تاني يوم، صحيت كالعادة.
حضّرت الفطار.
صحّيت الأولاد.
وهو كان بيتابعني بعينيه باستغراب.
متوقع انهيار.
عيّاط.
خناق.
لكن اللي
وأنا بحط له القهوة قدامه، قلت بهدوء: “حجزت مع محامي النهارده بعد الضهر.”
إيده وقفت في نص الحركة.
“محامي؟”