ابويا كان متجوز على امي
مدام اسعاد قاعدة قدامه مباشرة… لابسة أخضر غامق، وعاملة نفسها مكسوفة ومتوترة.
بس أمي؟ أمي كانت بتبص لها بابتسامة ثابتة تخوف.
بعد ما الناس غنت “سنة حلوة يا جميل”، أمي مسكت السكينة، قطعت أول حتة تورتة… وبعدين قالت:
“قبل ما ناكل… أنا عايزة أقول كلمة صغيرة.”
البيت سكت.
حتى الأطفال.
أبويا ابتسم وقال: “اتفضلي يا ست الكل.”
أمي هزت راسها وقالت: “28 سنة جواز… منهم 25 سنة وأنا عارفة إن جوزي متجوز عليا.”
الصمت نزل على المكان زي القنبلة.
حرفيًا سمعت صوت شوكة وقعت من إيد حد.
وشفت وش أبويا وهو بيفقد لونه حتة حتة.
مدام اسعاد قامت مرة واحدة وقالت: “هدى! انتي بتقولي ايه؟!”
أمي رفعت إيدها بهدوء: “اقعدي يا اسعاد… الدور لسه عليكي.”
أنا حسيت إن رجلي مش شيلاني.
خالاتي بصولها بذهول. أعمامي اتجمدوا. هالة وشها بقى أبيض. وهبة بدأت تعيط.
وأبويا قال بصوت متحشرج: “إنتي اتجننتي؟!”
أمي بصتله وقالت: “لا… أنا فقت بس.”
وبعدين طلعت ظرف كبير من الدولاب اللي جنب السفرة.
وحطته على الترابيزة.
وقالت: “ده عقد الجواز العرفي الأول… وده العقد الرسمي اللي اتكتب بعده بسنتين.”
الأنفاس اتسحبت من المكان.
أبويا جري ناحية الظرف: “إنتي فتشتي في حاجاتي؟!”
قالتله: “لا يا عبد السميع… مأذون المنطقة بنفسه هو اللي بعتهولي من 15 سنة لما عرف إني مش جاهلة.”
وبعدين طلعت صور.
صور لأبويا مع مدام اسعاد في الساحل. صور وهو شايل هالة وهي صغيرة. صور أعياد ميلاد. رحلات. إيصالات تحويلات. شهادات مدارس.
أمي كانت مجهزة كل حاجة… كل حاجة.
وقالت بهدوء مرعب: “أنا كنت مستنياك بس تبطل تكذب.”
أبويا حاول يتكلم: “أنا… أنا كنت خايف عليكي.”
ضحكت. أقسم بالله أول مرة أسمع ضحكة أمي بالشكل ده.
وقالت: “خايف عليا؟ ولا خايف على صورتك قدام الناس؟”
وبعدين بصت لكل الموجودين: “الحاج عبد السميع كان بيقسم وقته بين بيتين… بس المصيبة مش هنا.”
وسكتت ثانية.
الثانية دي كانت أتقل من سنين.
وقالت: “المصيبة إنه كان بيصرف على البيت التاني من فلوسي أنا.”
كل الناس اتلفتت ناحيته.
وأنا حسيت قلبي وقع.
أمي طلعت كشف حسابات. وقالت: “طول 20 سنة، مرتبه بيتحول على حساب مشترك باسمي… وأنا اللي كنت بدفع فواتير البيت والمدارس والأكل، وهو ياخد المكافآت والحوافز والشغلانات الجانبية يصرفها على حياته التانية.”
خالتي شهقت: “يعني انتي اللي كنتي بتصرفي على البيت؟!”
قالت: “أيوه. وأنا ساكتة.”
أبويا بدأ يزعق: “ما انتي كنتي راضية!”
هنا أمي قربت منه لأول مرة.
وقالت بصوت واطي جدًا: “الست أوقات بتسكت مش رضا… الست بتسكت عشان بتجهز.”
ولأول مرة… أبويا خاف منها بجد.
شافته في عينيه.
أمي فتحت درج البوفيه، وطلعت ملف تاني.
وقالت: “وده بقى الأهم.”
المحامي اللي شغال معايا — وأنا وقتها كنت لسه متدربة — دخل من باب الشقة.
أنا نفسي مكنتش أعرف.
أمي كانت مرتبة كل ده من شهور.
المحامي سلم على الناس وقال: “مساء الخير.”
وأبويا صرخ: “إيه المهزلة دي؟!”
أمي قالت: “دي مش مهزلة… دي قسمة ونصيب.”
المحامي فتح الملف وقال: “الأستاذة هدى رفعت قضية طلاق للضرر من 8 شهور، ونقلت ملكية الشقة اللي باسمها لبنتها أمنية، وفيه بلاغ بجميع التحويلات المالية اللي تمت بدون علمها من الحساب المشترك.”
وش أبويا انهار.
حرفيًا انهار.
مدام اسعاد بدأت تصوت: “إنتي هتفضحينا؟!”
أمي بصتلها لأول مرة مباشرة وقالت: “أنا؟ أنا اللي فضحتكم؟”
وسكتت ثانية.
“25 سنة وأنا ساتراكم.”
البيت كله كان بيتنفس بصعوبة.
هالة قربت من أمي وهي بتعيط: “إحنا مالنا؟!”
وأمي… يا رب عمري ما أنسى اللحظة دي.
مدت إيدها ومسحت دموعها.
وقالت: “إنتوا مالكوش ذنب… الذنب ذنب اللي عاش كداب.”
هبة حضنتها وانهارت. حتى البنات… كانوا عارفين جواهم الحقيقة طول الوقت.
أبويا قعد على الكرسي فجأة كأنه كبر 20 سنة في دقيقة.
وبص لأمي وقال: “كنتي تقدري تقوليلي.”
قالت: “وقولك ليه؟ عشان تكدب أحسن؟”
وبعدين أخدت نفس طويل وقالت الجملة اللي فضلت محفورة في دماغي لحد النهارده:
“أنا كنت مستنياك تبصلي مرة واحدة طول السنين دي وتقول: سامحيني… بس إنت حتى دي بخِلت بيها.”
وساعتها فهمت.
أمي مكنتش ضعيفة. ولا غبية. ولا مستسلمة.
أمي كانت بتعاقبه بأطول عقاب ممكن… إنه يعيش مرتاح وهو فاكر نفسه أذكى منها.
وفي ليلة عيد ميلادها الخمسين… خدت منه كل حاجة دفعة واحدة: هيبته. صورته. راحته. والأهم… إحساسه إنه متحكم في الحكاية.
الناس بدأت تمشي واحدة واحدة.
محدش عارف يبص للتاني.
مدام اسعاد خرجت وهي بتعيط. هالة وهبة خرجوا وراها مكسورين. وأبويا فضل قاعد لوحده في الصالون.
قدامه التورتة.
والشموع لسه مولعة.
أمي عدلت طرحتها، وبصتلي وقالت بهدوء:
“تعالي يا أمنية… التورتة هتبرد.”