ابني طردني
وفي ليلة، كريم كلمني وقال: — عايزين نتغدى عندك بكرة… في موضوع مهم.
عرفت. قلبي عرف قبل عقلي.
اليوم ده جه… ودخلوا التلاتة. كريم، ودينا شايلة آدم، وسامية داخلة كأن البيت بيتها أصلًا.
اتغدينا وسط كلام بارد ومجاملات مصطنعة، لحد ما سامية حطت الشوكة وقالت: — بصراحة يا مدام فاطمة، لازم الواحد يأمّن مستقبل ولاده بدري.
وسكتت تبص لكريم.
كريم خد نفس طويل وقال: — ماما… إحنا فكرنا إن الأفضل تكتبي البيت باسمي من دلوقتي.
الكلمة نزلت عليّا تقيلة رغم إني كنت مستنياها.
— يعني إيه؟
— يعني كله في الآخر هيبقى ليا… وإحنا أسرة واحدة.
بصيتله شوية وقلت بهدوء: — وأبوك؟ تعبه؟ شقاه؟ كل ده يبقى “في الآخر”؟
دينا تدخلت بسرعة: — طبعًا محدش بينكر تعب حضرتك… بس إحنا بنفكر لمصلحة آدم.
آدم. دايمًا آدم.
يستخبوا وراه عشان يبرروا جشعهم.
سألت كريم: — ولو كتبت البيت
اتوتر وقال بعصبية: — إيه الكلام ده يا ماما؟
لكن سامية سبقت الكل وقالت: — بصراحة؟ الست الذكية تدي وهي عايشة بدل المشاكل بعدين.
الست الذكية.
ضحكت. أول ضحكة حقيقية من شهور.
وقفت، وروحت ناحية الدولاب، وجبت ملف أزرق قديم. حطيته قدام كريم.
فتح الملف… ووشه اتسحب فجأة.
— إيه ده؟
— عقد البيت.
سامية قربت بسرعة تبص.
وقبل ما أي حد يتكلم، قلت: — البيت مش بس باسمي… ده عليه شرط قانوني واضح. محدش يقدر يتصرف فيه أو يورثه إلا بشروطي أنا.
كريم بصلي بصدمة: — يعني إيه؟
— يعني أبوك كان فاهم الناس أكتر مني.
الصمت ملي المكان.
ولأول مرة… سامية مابقتش عارفة ترد.
لكن اللي حصل بعد كده هو اللي قلب كل حاجة فعلًا…
بعد أسبوع، كريم جه البيت لوحده. وشه مرهق، ودقنه طالعة، وعينيه حُمر كأنه ما نِمش.
أول ما فتحت الباب،
دخل وقعد ساكت شوية… وبعدين فجأة انفجر: — دينا رفعت عليا قضية خلع.
اتجمدت مكاني.
قال بصوت مكسور: — وأمها خدت كل الدهب… وحتى العربية اللي اشتريتها باعتها.
ماكنتش مستوعبة.
كمل وهو بيبكي لأول مرة من سنين: — كانوا مستنيين البيت يا ماما… لما عرفوا إنه مش هيبقى باسمي، كل حاجة اتغيرت.
قلبي وجعني عليه… رغم كل اللي عمله.
الأم غصب عنها قلبها بيحن.
لكن قبل ما أتكلم، سمعت صوت عربية برا البيت. وبعدين خبط جامد على الباب.
فتحت…
ولقيت سامية داخلة زي العاصفة، ووراها دينا.
وشها كان مليان غضب وهي بتزعق: — ابنك ضحك علينا! قالنا البيت هيبقى باسمه!
ضحكت وقتها… ضحكة هادية خوفتهم أكتر من أي صريخ.
وبصيت لسامية وقولتلها: — وإنتِ؟ كنتِ مستنية آخد عمري كله وأديهولكم عشان ترموني آخر أيامي؟
دينا شدت آدم من إيد كريم بعنف وقالت: — يلا يا حبيبي…
لكن آدم فجأة عيط… ومد إيده ناحيتي.
— تيتا…
الكلمة شقت قلبي.
دينا حاولت تشده، لكنه فضل يصرخ: — عايز تيتا!
ولأول مرة… شفت الخوف الحقيقي في عين دينا.
لأن الطفل اللي كانوا بيستخدموه كورقة ضغط… اختارني أنا.
خرجوا في النهاية. والبيت سكت تاني.
كريم كان قاعد منهار على الكنبة، وأنا واقفة أبص لصورة محمود المعلقة على الحيطة.
وحسّيت إني فهمت حاجة متأخر أوي…
مش كل اللي بنقدمه لولادنا بيربي فيهم الوفا. أوقات… العطاء الزيادة بيخلق ناس فاكرة إن الحب حق مكتسب.
قربت من صورة محمود ولمستها بإيدي، وقلت بصوت واطي: — كنت شايف كل حاجة يا محمود… حتى الحاجات اللي أنا ماكنتش عايزة أشوفها.
وبعدين بصيت لكريم… وقولت الجملة اللي خلّت وشه يبهت:
— البيت مش هيتكتب باسمك يا كريم… أنا كتبته بالفعل.
رفع عينه بسرعة: — لمين؟
ابتسمت وأنا ببص ناحية
— للحفيد الوحيد اللي حبّني من غير مصلحة.