كنت ابيع اكلا في الشارع

لمحة نيوز


الوقور الميكروفون وقال وبقرار من مجلس الإدارة، ستدعم الشركة السنة الأولى من تشغيل المشروع تقديرًا لما تمثّله السيدة إلينا من صبرٍ وأخلاق.
لم أفهم كل الكلمات، لكنني فهمتُ شيئاً واحداً فقط؛ أن ابني أعاد لي تعبي على هيئة كرامة، ليس مالاً ولا محلاً ولا تصفيقاً، بل كرامة، تلك التي كانت تتسرّب مني كل صباح وأنا أقف على الرصيف قبل أن تشرق الشمس، أرتّب الأكياس، وأمسح البخار عن وجهي، وأتظاهر أمام الناس أن التعب لا يسكن عظامي، ثم وقفت امرأة من الصف الرابع، بدت واثقة وأنيقة، وابتسمت لي ابتسامة مختلفة وقالت بصوت واضح أنا أتناول هذا الطعام منذ سنوات في اجتماعات المجلس دون أن أعرف أنه من صنعكِ، ثم نظرت إلى سباستيان وأضافت كان يحضره كل ديسمبر، ويقول دائمًا هذه أفضل طاهية أعرفها.
ضحك الجميع، وكان ضحكهم هذه المرة أخفّ، كأنهم لم يعودوا يرونني غريبة بينهم، نظرتُ إلى ابني بدهشة حقيقية وسألته إذًا كنتَ تفخر بطعامي؟، ابتسم تلك الابتسامة التي أعرفها وقال دائمًا، ثم أضاف وهو يقترب أكثر لكن اليوم حان الوقت أن أفخر أيضًا بصاحبته، شعرتُ بشيء ينكسر

داخلي، ليس انكسار ضعف، بل انكسار ذلك الحاجز الذي ظلّ بيني وبين نفسي لسنوات، ذلك الصوت الذي كان يقول لي أنتِ فقط امرأة تبيع الطعام في الشارع، رفعتُ يديّ إلى وجهي حتى لا أذوب أمامهم، وحتى لا يروا كيف أن كل تلك السنوات كانت تنتظر هذه اللحظة فقط.
وفي تلك اللحظة عاد إليّ مشهد قديم؛ ليلٌ بارد، ومصباحٌ ضعيف، وسباستيان في السادسة عشرة، نصف نائم يربط أكياس الشراب بيدين مرتجفتين من التعب، كنتُ قد قلت له يومها لا تشغل بالك بي، أنت فقط ادرس، أنت لم تُخلق لهذا الشارع، لم ينظر إليّ لكنه قال بصوتٍ منخفض ربما لم أُخلق لهذا الشارع، لكنني أيضًا لم أُخلق لأنسى من أوصلني إلى أي مكان، حينها لم أفهم عمق كلماته، أما الآن فقد فهمت، كان يفي بوعدٍ قديم دون أن يذكّرني به.
انتهى الحفل أو ربما استمر لا أعلم، كل شيء بعد ذلك صار كأنه حلم بطيء، اختلطت الأصوات وصار التصفيق بعيداً، لكن ما لم أتوقعه أن كثيرين لم يتجهوا إليه أولاً بل إليّ؛ رجال ببدلات رسمية، ونساء بعطور فاخرة، وأيدٍ تمتد نحوي واحدة تلو الأخرى، يقولون شكرًا لكِ، لقد صنعتِ رجلاً عظيمًا، هذا فخر
لنا جميعًا، كنتُ أبتسم ابتسامة غير مرتبة، ووسط كل ذلك كانت رائحة القرفة ما تزال في أصابعي كأنها ترفض أن تغادرني، كأنها تقول لي هذه أنتِ، لا تنسي.
اقتربت مني فتاة شابة من فريق التنظيم وقالت بصوت منخفض أمي أيضًا تعمل في الشارع، ثم ترددت قليلًا قبل أن تكمل رؤيتكِ هنا جعلتني أشعر بشيء مختلف، ابتسمتُ لها ابتسامة خرجت من قلبي وقلت لها إذًا تعالي نلتقط صورة جميلة حتى نريها لوالدتكِ، ضحكت بصدق وللمرة الأولى شعرت أنني لا أقف بينهم كغريبة، بل كواحدة منهم وربما أكثر، بعد فترة وجدنا أنفسنا وحدنا في ممر جانبي، هدأت الأصوات وخفّ الضوء وعاد كل شيء إلى حجمه الطبيعي، فكّ سباستيان ربطة عنقه وتحوّل فجأة من المدير العام إلى ابني فقط، نظر إليّ وقال هل أنتِ غاضبة؟.
نظرتُ إليه طويلًا لأتأمّل هذا الوجه الذي كبر أمامي دون أن أنتبه، ثم مددتُ يدي وعدّلتُ ياقة سترته، فدائماً تبقى جهة صغيرة فيها مائلة، وقلت بهدوء أنا متأثرة لأنك أخفيت عني كل هذا، ضحك وقال بصراحة كنتُ خائفًا ألا تأتي، هنا فهمت أن كل هذا لم يكن فقط مفاجأة، كان أيضًا خوفًا قديمًا، خوف طفلٍ
من أن ترفضه أمه لأنها لا ترى نفسها في مكانه، أمسكتُ وجهه بكلتا يديّ وقلت اسمعني جيدًا يا سباستيان، أنا قد أكون تعلّمت أن أحلم بصوت منخفض، لكنني لم أخجل منك يومًا، تجمّدت عيناه للحظة ثم امتلأتا بالدموع وقال نعم يا أمي، وهناك أمر آخر، هذا المحل سنعمل فيه جيدًا، ثم رفعت حاجبيّ وقلت لكن لا تظن أنك ستفلت من العمل معي، ضحك من قلبه وقال مستحيل.
خرجنا من المبنى معًا، وكان الهواء في الخارج مختلفًا، لأنني لم أعد نفس المرأة التي دخلت قبل ساعات، كان هناك شيء بقي في الداخل، شيء قديم متعب لم يعد يصلح للمستقبل، فتح لي باب السيارة ثم أشار إلى أعلى المبنى وسأل هل ترين تلك النافذة في الأعلى؟ تلك مكتبي، نظرتُ إليه ثم ابتسمت ابتسامة فيها كل التعب الذي تحوّل أخيرًا إلى نور، وقلت جميل يا بني، لكن غدًا في الخامسة صباحًا ستكون معي لتحضير الصلصة، اتّسعت عيناه وقال ضاحكًا حتى أنا؟، فأجبته وأنا أضع يدي على كتفه حتى أنت، مهما أصبحت، لا تنسَ أنك من آل فارغاس، ضحك لكن هذه المرة ضحك كما كان يفعل قديمًا حين كان يقف بجانبي قرب البخار وقبل أن يعرف العالم اسمه.

 

تم نسخ الرابط