اطلعي بره
وبمجرد ما البوليس وصل… كل حاجة اتغيّرت.
الدنيا اتقلبت في الاستقبال. الممرضة "هبة" – عرفت اسمها من الشارة اللي على صدرها – مسبتنيش لحظة. فضلت ماسكة إيدي وهي بتملّي أمين الشرطة التقرير الطبي المبدئي. أنا كنت في عالم تاني، شايفة شفايفهم بتتحرك بس مش سامعة غير صفارة مستمرة في ودني.
أمين الشرطة بصّلي بنظرة فيها مزيج من الشفقة والاعتياَد على المشاهد دي، وسألني بصوت خشن بس هادي:
"تقدري تحكيلي إيه اللي حصل يا آنسة؟ ومين اللي عمل فيكي كده؟"
فتحت بقي، الهوا دخل جرح شفتي وحرقني. بصيت لهبة، هزت راسها كأنها بتقولي "اتكلمي".
قلت بصوت متهدج، مقطوع بالشهقات: "بابا… وماما واقفة بتتفرج."
الكلمتين دول طلعوا مني كأنهم جبال بتتهد. لأول مرة بكسر حاجز الصمت، لأول مرة بفضح "الستر" المغشوش اللي عيشنا فيه سنين.
أمين الشرطة كتب الجملة في دفتره، وطلب قوة تروح البيت.
في الوقت ده، في بيتنا… الساعة كانت بقت 3 الفجر. الجيران بدأوا يصحوا على صوت البوليس وهو بيخبط على الباب بعنف. "افتح يا أستاذ عادل… معاك البوليس."
تخيلت شكل ماما وهي بتترعش ورا الباب، وش الست الطيبة "الحنية كلها" قدام الناس وقع، وحل محله الرعب من الفضيحة. وبابا… الكبرياء الزايف بتاعه اتهز.
فتحوا الباب. أمين الشرطة دخل ومعاه عسكريين. الصالون كان لسه شاهد على المعركة. كوباية الشاي المكسورة على الأرض، الكرسي المقلوب.
"فين بنتكوا؟" سأل الأمين.
ماما
العسكري قاطعها وشاور على الأرض: "يا فندم، في آثار دم على البلاط واصلة لحد باب الشقة."
هنا بابا اتكلم بعصبية: "دي وقعت وهي نازلة على السلم، إحنا مربينها أحسن ربه…"
أمين الشرطة بص لجروح بابا (اللي أنا عملتها وأنا بدافع عن نفسي بضوافري) وقال له ببرود: "الجروح اللي في وشك دي، والجروح اللي في جسم بنتك في المستشفى بتقول حاجة تانية خالص. اتفضلوا معانا على القسم."
نزلوا وهما متكلبشين. الفضيحة اللي كانوا خايفين منها بقت حقيقة، والشارع كله كان واقف يتفرج من الشبابيك والبلكونات.
في المستشفى، هبة جابتلي لبس نضيف من دولاب المستشفى، بنطلون وتيشيرت واسعين، وغسلتلي وشي من الدم والدموع. "أنتي شجاعة يا حبيبتي، متخافيش، إحنا معاكي."
على الساعة 7 الصبح، رحت القسم وأنا منهارة جسدياً ونفسياً. لقيت قرايبنا (اللي ماما كانت بتكدب عليهم) متجمعين، مش عشان يطمنوا عليا، لأ.. عشان يضغطوا عليا اتنازل.
عمتي مسكتني من كتفي وبدأت تعيط: "يا بنتي حرام عليكي، أبوكي رجل كبير، عايزة تحبسيه؟ وتفشخي قلب أمك؟ الناس هتقول علينا إيه؟ لمي الموضوع واعتبري اللي حصل محصلش، واستروا على بعض."
بصيت لها، والدموع جفت في عيني. "الستر" اللي هما عايزينه معناه إني أرجع أنداس بالجزمة تاني. معناه إن حروق دراعي دي تتنسي، وإن بابا يكمل تحكمه وإهانته
قلت لها بجمود رعبني أنا شخصياً: "لو كان يهمه كلام الناس، مكنش رماني في الشارع بنزف الساعة 2 بالليل. أنا مش هتنازل."
دخلت لوكيل النيابة. حكيت كل حاجة من طقطق لسلام عليكم. حكيت عن تحكمات كريم خطيبي اللي بابا وماما كانوا بيدعموها عشان "يجوزوني ويخلصوا"، وعن الكدبة الصغيرة اللي بدأت الخناقة، وعن زقة الحيطة، وكوباية الملح اللي ماما رمتها عليا وحرقت دراعي، وعن طردي حافية.
التقرير الطبي كان قاطع. بصمات بابا كانت معلمة على دراعي وكتفي، وحروق الملح، وشفتي المفتوحة. كل ده مكنش "إزاز مكسور."
النيابة أمرت بحبس بابا 4 أيام على ذمة التحقيق بتهمة الاعتداء وإحداث إصابات بالغ، وإخلاء سبيل ماما بكفالة مالية باعتبارها مشاركة سلبية.
الـ 4 شهور اللي فاتوا كوم، والأيام اللي جت بعد كده كوم تاني.
أهلي اتبروا مني تماماً. عمتي وأعمامي قاطعوني. بقيت "البنت الفاجرة اللي حبست أبوها."
كريم خطيبي السابق بعتلي رسالة شماتة وقالي: "شفتي مين اللي طلع صح؟ أنتي متربتيش أصلاً."
أنا مكنش عندي مكان أروح فيه. رجعت المستشفى لهبة، وحكيت لها. هبة طلعت جدعة بجد، ساعدتني أروح دار استضافة للمعنفات تابعة لوزارة التضامن.
هناك، في الدار، بدأت أشم نفسي. لأول مرة بكون مسؤولة عن نفسي بجد، من غير حد يقرر لي ألبس إيه، أو أشتغل إيه، أو أكلم مين.
رجعت شغلي القديم، مديري اعتذر لي بعد ما الحقيقة
القضية فضلت شغالة. بابا أخد حكم سنة مع إيقاف التنفيذ، وغرامة كبيرة. الحكم مكنش قاسي قسوة جرحي، بس كان كافي إنه يكسر مناخيره الأرض، ويثبت قدام كل الناس إن "البنت المثالية" اللي كانوا بيصدروها، كانت بتتعذب ورا الأبواب المقفولة.
بعد سنة من الليلة دي…
كنت واقفة في بالكونة شقتي الصغيرة اللي أجرتها بفلوس شغلي. الشقة هادية، مافيهاش صويت، ولا تكسير كوبايات.
بصيت لدراعي، العلامات الرفيعة للحروق كانت لسه موجودة، مابتروحش، بس مبقتش بتوجع.
شفتي خفت، بس سايبة ندبة صغيرة مبانش غير لو حد ركز.
التليفون رن. كانت ماما. لأول مرة تتصل من يومها.
"أيوة يا ماما."
صوتها كان واطي، مكسور، مفيش فيه النبرة الآمرة بتاعت زمان.
"أبوكي تعبان يا بنتي… وعايز يشوفك قبل ما… أنتي عارفة، هو قلبه أبيض والله بس العصبية… والجيران بيسألوا عليكي…"
سكتّ لثواني. قلبي مدقش بسرعة، ولا حسيت بالذنب.
حسيت براحة غريبة.
بصيت للشارع اللي تحت، مكنش ضلمة، كان منور بكشافات قوية.
وقلت لها بهدوء قاتل:
"يا ماما، إحنا سترنا على بعض قدام الناس كتير قوي، وادينا شفتي النتيجة. الستر الحقيقي إن كل واحد يتحمل نتيجة أفعاله. أبوكي لما رماني في الشارع قالي: مش عايزين نشوف وشك تاني. وأنا بحترم رغبته. ربنا يشفيه."
قفلت السكة.
كانت آخر مرة أتكلم معاهم فيها.
النهاردة، أنا عندي 28 سنة. حرة، ناجحة، وعايشة بشروطى
الجروح مبقتش دليل إدانة، بقت دليل نجاة.
كل حاجة اتغيّرت فعلاً… للأحسن.