بعد 15 سنة كاملة من الغياب
بعد 15 سنة كاملة من الغياب…
رجع أخويا فجأة وكأن ولا يوم عدى.
واقف قدامي… وشه مرهق، عينيه شايلة تعب سنين، بس ولا كلمة اعتذار… ولا حتى تفسير.
كل اللي عمله إنه مد إيده ليا بظرف مقفول بإحكام… وقال بصوت واطي:
"مش قدامهم."
بصيت للظرف في إيدي…
حسيت كأنه تقيل بشكل غريب… تقيل بسنين الغياب، بالأسئلة اللي ملهاش إجابة، وبوجع حاولت أنساه.
خمستاشر سنة…
وده كل اللي رجع بيه؟
رفعت عيني عليه، وقلبي بيدق بعنف…
وفجأة، ومن غير ما أفكر—
فتحت الظرف.
اللي شفته جواه…
خلاني أتجمد في مكاني… وكأن الدنيا كلها وقفت.
فتحت الظرف وإيدي بتترعش، كنت متوقعة ألاقي فلوس، أو ورق ملكية، أو حتى رسالة اعتذار طويلة.. بس اللي شفته جمد الدم في عروقي.
جوه الظرف كان فيه صورة فوتوغرافية قديمة ليّ أنا وهو وإحنا أطفال، بس الغريب مش الصورة.. الغريب إن نص الصورة اللي فيه "أنا" كان مقصوص بدقة احترافية، ومحطوط مكانه صورة لبنت صغيرة تانية تشبهني لدرجة تخوف، لابسة نفس لبسي في الصورة الأصلية، وواقفة في نفس مكاني!
ومع الصورة، كان فيه مفتاح فضي قديم عليه صدأ، وورقة صغيرة مكتوب فيها بخط إيد مهزوز:
"البيت اللي بعناه من 15 سنة.. لسه محتفظ بصوتنا. روحي هناك يا سمر.. الحقيقة مش في اللي ضاع، الحقيقة في اللي استنى."
بصيت لأخويا "ياسين" بذهول، لقيته اختفى! خرج من الباب بهدوء زي ما دخل، وكأنه كان سراب. ركبت
وصلت هناك، الدنيا كانت ليل والسكون مرعب. جربت المفتاح في الباب المصدي.. "تكة" واحدة والباب اتفتح بصعوبة. دخلت وأنا مشغلة كشاف الموبايل، التراب كان مغطي كل شيء، بس فيه حاجة غلط.. كان فيه ريحة بخور غالية مالي المكان، وكأن حد كان هنا من دقايق.
طلعت الدور التاني، لغرفتنا القديمة. فتحت الباب، ولقيت الصدمة الحقيقية:
الأوضة مكنتش مهجورة.. الأوضة كانت "متحف". الحيطان كلها متغطية بصور ليّ في كل مراحل عمري الـ 15 سنة اللي غابهم ياسين! صور وأنا بتخرج، وأنا بضحك مع صحابي، وأنا ماشية في الشارع.. هو كان عايش معايا، كان بيراقبني ثانية بثانية وهو "غايب".
وفي نص الأوضة، كان فيه جهاز تسجيل قديم (جرامافون). قربت منه ولقيت عليه أسطوانة بدأت تلف لوحدها أول ما رجلي لمست أرضية الأوضة.. وطلع صوت ياسين، بس مش صوته التعبان اللي شفته من شوية، ده كان صوته القوي من 15 سنة:
"لو بتسمعي ده يا سمر، يبقى أنا خلاص نفذت وعدي وحميتك. الـ 15 سنة اللي فاتوا مكنوش هروب مني، كانوا مطاردة للي قتلوا أهلنا.. الظرف اللي معاكي فيه صورة البنت اللي أخدت مكانك يوم الحادثة عشان تعيشي أنتي. المفتاح مش بس للبيت، المفتاح للخزنة اللي تحت رجلك دلوقتي.. افتحيها، وخدتي حقنا،
فجأة، سمعت صوت حركة تحت.. وصوت "تكة" سلاح بيتحضر. بصيت من شباك الأوضة، لقيت تلات عربيات سودا محاصرين البيت، وياسين واقف قدامهم لوحده، ماسك قنبلة دخان في إيده، وبص لفوق للشباك وهمس بكلمة واحدة قدرت أقراها من حركة شفايفه:
"اجري."
القصة لسه بتبدأ.. الظرف مكنش فيه صور بس، كان فيه "خريطة" لمكان الهروب، والسر اللي هيقلب موازين القوة في المدينة كلها.
نزلت على ركبي وفتحت الخزنة المخفية تحت السجادة بسرعة جنونية، لقيت جواها "هارد ديسك" وجواز سفر باسمي بصورة جديدة، وطبنجة صغيرة. في اللحظة دي، انفجرت قنبلة الدخان تحت، وبدأت أصوات ضرب النار تزلزل جدران البيت القديم.
مفكرتش.. سحبت الهارد وجريت على الممر السري اللي كنا بنلعب فيه وإحنا أطفال وراء الدولاب. الممر كان ضيق وريحته تراب، بس كان بيوصل للجنينة الخلفية بعيد عن العربيات السودا. وصلت لآخر الممر وخرجت وسط الشجر، ولقيت ياسين مستنيني، كان مصاب في كتفه وبينهج:
"الهارد معاكي؟"
هزيت راسي وأنا مذهولة: "إيه اللي بيحصل يا ياسين؟ مين دول؟"
بص لي بابتسامة وجع وقالي: "دول اللي سرقوا عمرنا يا سمر.. الهارد ده عليه تسجيلات اجتماعاتهم، صفقات السلاح اللي دخلت البلد باسم بابا عشان يلبسوه القضية وينتحر.. أنا قضيت 15 سنة بشتغل معاهم 'شبح' عشان أوصل للنسخة دي. النهاردة.. اللعبة انتهت.
فجأة، كشافات العربيات لفت وحاصرتنا في الجنينة. نزل منهم راجل كبير في السن، شعره أبيض، عرفته فوراً.. ده كان "العميد" صاحب بابا الروحاني.
ضحك ببرود وقال: "سلم الهارد يا ياسين، وأوعدك أختك تعيش وتكمل جامعة.. كفاية بطولات."
ياسين بص لي، وفجأة طلع "ولاعة" من جيبه وضغط على زرار في إيده التانية.. لمحت "واير" رفيع جداً ممتد من تحت رجلينا لداخل البيت.
همس لي: "سامحيني يا سمر.. كان لازم أرجع عشان أحرق الماضي كله."
وقبل ما حد يتحرك، ياسين ضغط على الزرار.. البيت القديم كله انفجر في لحظة، بس مش انفجار عشوائي، ده كان انفجار "تطهير". الضغط رمى الرجالة لورا، وفي وسط الدخان والهرجلة، ياسين سحبني وجرينا لمركب صغير كان مستني في الترعة اللي ورا البيت.
النهاية:
بعد مرور شهر..
كنت واقفة قدام قبر بابا وماما، حطيت ورد أبيض. الأخبار كانت مقلوبة عن "شبكة فساد كبرى" سقطت بعد وصول ملفات مجهولة لمكتب النائب العام.
ياسين كان واقف بعيد، لابس نظارة سوداء، لسه وشه مرهق بس عينيه لأول مرة كانت هادية.
قرب مني وناولني ظرف تاني.. قلبي قبضني، بس المرة دي فتحه هو بنفسه.
كان جواه "تذكرتين طيران" وصورة كاملة ليّ أنا وهو، من غير قص.. ومكتوب وراها:
"دلوقتي بس.. نقدر نبدأ الـ 15 سنة اللي ضاعوا."
مشينا سوا والبيت القديم بقى مجرد رماد، والسر اللي كان تقيل في الظرف، بقى هو السبب