خبط جاري على الباب
خبط جاري على باب بيتي في عز المطر، وقالّي جملة لحد دلوقتي كل ما أفتكرها جسمي يقشعر
الساعة عشرة بالظبط، خد حفيدتك وتعالى بيها عندي. ومتولّعش ولا لمبة في البيت.
ما سألتوش ليه.
شيلت البنت على دراعي، وخرجت بيها وعدّيت الشارع.
لكن وأنا واقف عند شباك الدور التاني في بيت جاري، بصيت على بيتي من بعيد...
ولقيت تلاتة داخلين من الباب.
والأصعب من كده؟
إني عرفت اتنين منهم.
الساعة عشرة بالظبط هتخرج البنت من بيتك وتيجي بيها عندي. متولّعش أي نور. ما تكلمش حد. وإياك... إياك تقول لمحمود.
كان الحاج عبدالسلام واقف قدام باب شقتي، هدومه كلها مبلولة من المطر، ووشه مفيهوش ذرة هزار.
أنا كنت وقتها عندي سبعين سنة، وقضيت تقريبًا أربعين سنة من عمري وأنا بشتغل في ترميم البيوت وإصلاح اللي اتبهدل فيها.
طول عمري كنت بعرف أميّز الخطر من أول نظرة.
لكن اللي حصل الليلة دي علّمني إن أخطر حاجة ممكن تحصل للإنسان...
إن الخراب يبقى جوه عيلته، والبيت من بره شكله سليم.
اسمي حسن عبدالفتاح.
ومن حوالي سنة ونص، وأنا اللي مربي حفيدتي ملك، عندها تمن سنين.
ملك كانت بنت بنتي سارة.
سارة ماتت في حادثة على طريق إسكندرية الصحراوي بعد ليلة مطر شديدة، وجوزها كان متوفي قبلها بسنين بسبب أزمة قلبية.
وقبل ما بنتي تموت، كانت عاملة توكيلات وأوراق رسمية، ومثبتة إن لو حصل لها أي حاجة، أنا اللي أكون الوصي على بنتها.
لكن سارة كانت سايبة لملك حاجة تانية...
حساب أمانة فيه حوالي تلاتين مليون جنيه.
فلوس بنتها.
وأنا من يومها حاطط قاعدة واحدة قدام عيني
الفلوس دي مش بتاعتي.
دي فلوس ملك.
كل جنيه بيتصرف منها لازم يبقى ليه ورق وإيصال وحساب.
ولا عمري مد إيدي عليها، ولا حتى اعتبرت إنها ممكن تحل أي مشكلة تخصني.
بعد وفاة سارة، ابني الكبير محمود بدأ ييجي عندي أكتر.
مرة ييجي هو ومراته نادين ومعاهم علبة حلويات.
ومرة هدية لملك.
ومرة يقعدوا بالساعات يتكلموا عن مصلحة البنت.
وكان محمود دايمًا يقول لي
يا بابا، ملك محتاجة تعيش وسط عيلة. وإنت خلاص كبرت، ومش هتقدر تفضل شايل مسؤوليتها لوحدك. سيبها تيجي تعيش معانا وإحنا نتولى كل حاجة.
كنت ببص له وأرد بهدوء
أمها كتبت في الورق إن ملك تعيش معايا.
كان بيسكت...
لكن سكوته عمره ما كان مريحني.
وفي حاجة تانية كانت بتاكلني من جوا.
بعد دفنة سارة بيوم، محمود قالّي كلام عمري ما نسيته
سارة خرجت من البيت عشان إنت اللي كلمتها. لو ما كنتش خليتها تنزل في الجو ده، كانت زمانها عايشة.
وقتها أنا ما افتكرتش إني كلمتها أصلًا.
لكن كنت في حالة ما يعلم بيها إلا ربنا.
الحزن كان واكلني، النوم كان قليل، ودماغي كانت مشوشة لدرجة إني بقيت أشك في ذاكرتي.
ومن يومها وأنا شايل الذنب ده فوق ضهري.
سنة ونص كاملة.
لحد ما بدأت تحصل حاجات غريبة.
مكالمات في نص الليل.
رقم غريب يتصل...
أرد...
مفيش صوت.
أقول
ألو؟
مفيش رد.
أقفل.
وبعد كام يوم نفس الحكاية من رقم تاني.
في الوقت ده، الحاج عبدالسلام، جاري اللي ساكن قصادي، بدأ يلاحظ حاجة.
عبدالسلام كان مقدم سابق في الحماية المدنية، وبعد ما طلع معاش، بقى عنده عادة غريبة...
بيراقب كل حاجة حواليه.
مواعيد دخول العربيات.
حركة الناس.
وأي حاجة مش طبيعية في الشارع.
في يوم قالّي
يا حسن، إنت واخد بالك من العربية الرمادي اللي بتركن على أول الشارع كل يومين؟
قلت له
عربية إيه؟
قال
عربية رمادي غامق. بتيجي في مواعيد غريبة، وتقعد شوية وتمشي.
وبعدين سكت لحظة وقال
أنا مش عايز أخضّك... بس في حد بيتابع تحركاتك.
ضحكت وقتها وقلت له
يا راجل، مين هيتابع واحد عجوز زيي؟
عبدالسلام ما ضحكش.
قال
أنا بقولك اللي شوفته.
بعد يومين، طلب مني أطلع عنده.
دخلت شقته، وفتح اللابتوب قدامي.
وقال
بص هنا.
كانت صورة متاخدة من شباكه.
الساعة تقريبًا تلاتة الفجر.
ست واقفة جنب السور الخلفي لبيتي.
لابسة جاكيت غامق، وممسكة موبايل، وبتصوّر حاجة.
زوّم الصورة.
لقيتها بتصور عداد الغاز...
والسخان...
وشباك أوضة ملك.
حسيت الدم نشف في عروقي.
بصيت في الصورة كويس.
وبعدين قلت من غير ما أفكر
دي نادين... مرات محمود.
عبدالسلام بصلي وقال
إنت متأكد؟
قلت
أنا ممكن أنسى حاجات كتير... بس دي مرات ابني.
رجعت البيت وأنا مش قادر أستوعب.
مسكت موبايلي واتصلت بمحمود.
لكن ما حبيتش أقول له إني عرفت.
قلت له بنبرة عادية
هي نادين كانت عندها مشوار ناحية منطقتنا امبارح؟
رد بسرعة
لأ يا بابا، كانت معايا طول الليل.
وسكت ثانية.
وبعدين قال
إنت متأكد إنك شفت كويس؟
استغربت.
قبل ما أرد، كمل
أصل يا بابا أنا حاسس إنك الفترة دي بقيت بتتلخبط شوية. يمكن من قلة النوم... أو من الأدوية.
الكلمتين الأخيرين وقعوا عليا زي الخبطة.
بتتلخبط.
من ساعتها بدأت حاجات أغرب تحصل.
دوائي اختفى.
وبعد يومين لقيته مستخبي تحت الحوض في الحمام.
مفاتيح البيت اختفت من مكانها.
فضلت أدور عليها بالساعات.
وفي الآخر لقيتها جوه جاكت قديم أنا أصلًا مش بلبسه.
قلت يمكن أنا اللي حطيتها ونسيت.
لكن الموضوع ما وقفش هنا.
كل مرة حاجة تختفي...
وبعدين تظهر في مكان أنا عمري ما أحطها فيه.
لما حكيت لمحمود، تنهد كده، وبصلي بنظرة كلها شفقة مصطنعة.
وقال
يا بابا... إنت لازم تكشف عند دكتور. موضوع الذاكرة ده مش هزار.
الكلمة فضلت ترن في ودني.
الذاكرة.
وبدأت أسأل نفسي فعلًا
هو أنا فعلًا بقيت بنسى؟
هو ممكن أكون أنا اللي بخبّي حاجتي ومش فاكر؟
هو ممكن أكون بدأت أفقد عقلي من غير ما أحس؟
لحد يوم...
ملك قعدت قدامي على ترابيزة المطبخ.
كانت ساكتة ومتوترة.
بصيت لها وقلت
مالك يا حبيبتي؟
قربت مني، ووطّت صوتها وقالت
جدو...
أنا عايزة أقولك حاجة بس ما تزعلش مني.
قلت
قولي.
بصت حوالين نفسها، وبعدين قالت
يوم الحد، طنط نادين دخلت المطبخ وأخدت علبة دواك.
قلبي دق بسرعة.
سألتها
عملت إيه؟
قالت
مسكت العلبة، وقعدت تقرأ اللي مكتوب عليها... وبعدين صورتها بالموبايل.
سكت.
ملك كملت
أنا افتكرتها بتدور على اسم الدوا... بس حسيت إن الموضوع غريب.
في اللحظة دي، كل حاجة بدأت تركب على بعض.
المفاتيح.
الدواء.
المكالمات.
العربية الرمادي.
الصورة اللي اتاخدت ومراتي ابني واقفة ورا البيت.
والجملة اللي محمود قالها أكتر من مرة
إنت بقيت بتتلخبط.
فجأة فهمت.
هما مش مستنيين إني أفقد ذاكرتي.
هما بيحاولوا يعملوا حاجة أخطر...
بيصنعوا دليل يخلّي كل اللي حواليا يصدقوا إني فقدت عقلي فعلًا.
لكن اللي ما كنتش أعرفه وقتها...
إن اللي كانوا بيجهزوه مش مجرد محاولة ياخدوا مني وصاية ملك.
كانوا بيجهزوا لحاجة ممكن تخليني أخسر حفيدتي...
وكل فلوسها...
وحياتي كمان.
ولسه ما كنتش أعرف إن الليلة اللي الحاج عبدالسلام هييجي فيها يخبط على بابي...
هتكون بداية أكبر خيانة شفتها في حياتي.
في الليلة دي، ما نمتش.
قعدت على الكرسي جنب شباك الصالة، والنور مطفي، وملك نايمة في أوضتها.
كنت ببص على الشارع من ورا الستارة.
العربية الرمادي ما ظهرتش.
لكن الساعة كانت قربت على اتنين بالليل، وسمعت صوت خفيف عند باب الشقة.
وقفت مكاني.
خطوتين...
وبعدين صوت مفتاح بيتحط في الكالون.
اتجمدت.
مفتاحي أنا.
حد كان بيحاول يفتح الباب بمفتاح معاه.
قربت من الباب من غير ما أعمل صوت، وبصيت من العين السحرية.
مفيش حد.
لكن المفتاح اتحرك تاني.
وبعدين سمعت همسة
افتح يا حسن... أنا محمود.
قلبي وقع.
قلت من ورا الباب
الساعة اتنين الصبح يا محمود. إنت عايز إيه؟
سكت.
وبعدين قال
افتح بس يا بابا. أنا جاي أطمن عليك.
ما فتحتش.
قلت
بكرة نتكلم.
سمعت نفس طويل من الناحية التانية.
وبعدين خطوات بتبعد.
فضلت واقف مكاني لحد ما الصوت اختفى.
رجعت أقعد.
لكن المرة دي كنت متأكد من حاجة واحدة
محمود عنده مفتاح لبيتي.
وأنا عمري ما اديتهوله.
الصبح، أول حاجة عملتها إني غيرت كالون الباب.
وبعدين فتحت درج قديم عندي، طلعت منه كل الأوراق اللي تخص ملك.
التوكيل.
إثبات الوصاية.
شهادة الوفاة.
أوراق الحساب.
وصورة من العقد اللي سارة كانت سايباه.
قعدت أقراهم ورقة ورقة.
ولأول مرة، لاحظت حاجة غريبة.
تاريخ آخر تعديل على ملف الحساب كان من حوالي شهر.
رفعت راسي.
أنا ما عدلتش حاجة.
ومحمود عمره ما كان المفروض يكون له أي صلاحية.
اتصلت بالبنك.
الموظف سألني عن بيانات كتير، وبعدها قال
يا فندم، فيه محاولة للاستعلام عن الحساب واتقدمت مستندات بالفعل.
قلت
مين؟
قال
الشخص اللي قدم الطلب كان بيقول إنه ولي أمر بديل.
سألته
مين الشخص ده؟
الموظف سكت لحظة.
وبعدين قال
محمود حسن عبدالفتاح.
قفلت المكالمة وأنا إيدي بتترعش.
يعني الموضوع مش في دماغي.
كانوا بيجهزوا فعلًا.
لكن ليه مستعجلين؟
وليه دلوقتي؟
الإجابة جتني في نفس اليوم.
الساعة كانت حوالي خمسة العصر، وعبدالسلام خبط على الباب.
أول ما دخل، قفل الباب وراه وقال
حسن... اللي هقولهولك لازم تسمعه للآخر وما تقاطعنيش.
قلت
اتكلم.
حط موبايله على الترابيزة.
وقال
أنا رجعت راجعت تسجيلات الكاميرات بتاعتي.
فتحت عيني.
قال
العربية الرمادي مش بتراقب بيتك بس.
أمال؟
بتراقب محمود كمان.
سكت.
عبدالسلام فتح فيديو.
العربية الرمادي كانت واقفة قدام عمارة في شارع جانبي.
وبعد شوية نزل منها راجل.
لابس كاب أسود.
دخل العمارة.
وبعد حوالي عشرين دقيقة خرج ومعاه ظرف بني كبير.
عبدالسلام وقف الفيديو.
وقال
عرفت العمارة دي؟
بصيت كويس.
وبعدين حسيت إن نفسي اتقطع.
قلت
دي عيادة دكتور نفسي.
عبدالسلام هز راسه.
بالظبط.
سألته
محمود راح هناك؟
قال
مش محمود.
وقرب الموبايل مني.
نادين.
بدأت أفهم.
هما مش بس عايزين يقولوا إني بنسى.
كانوا بيجهزوا لي ملف طبي.
ملف يقول إن حسن عبدالفتاح رجل مسن، عنده اضطرابات في الذاكرة، ومش قادر يدير نفسه أو مسؤولياته.
والأخطر...
إن ملك عندها ملايين.
ولو أثبتوا إني غير قادر على الوصاية، الفلوس هتنتقل تحت إدارة حد تاني.
غالبًا محمود.
لكن عبدالسلام قال جملة خلتني أسكت
فيه حاجة تانية.
إيه؟
الشخص اللي كان بيساعد نادين في العيادة... اسمه دكتور سامح.
تعرفه؟
عبدالسلام هز راسه.
لا.
وبعدين قال
بس أنا شوفته قبل كده.
سألته
فين؟
قال
عند بيتك.
هنا حسيت إن القصة أكبر من محمود ونادين.
في نفس الليلة، عملت حاجة عمري ما توقعت إني أعملها.
كلمت ملك.
وقلت لها
يا حبيبتي، لو حد سألك عني، أو قالك إني تعبان، أو إني بنسى، أو طلب منك تمضي على أي ورقة... تعالي قوليلي فورًا.
بصت لي بخوف.
وقالت
حتى بابا؟
سكت.
هي كانت مستنية إجابتي.
قلت
أي حد.
وبعدين سألتها
بس قوليلي حاجة... إنتِ ليه سألتي عن باباكي؟
قالت
عشان بابا كان هنا من يومين.
قلبي دق.
جه إمتى؟
بالليل.
وقال إيه؟
ملك بدأت تعيط.
قال لي إنك ممكن تروح مكان بعيد، وإن أنا لازم أعيش معاه.
قربت منها.
قال لك إيه كمان؟
قالت
قال إنك تعبان... وإنك ساعات بتنسى الناس.
سكت.
وبعدين قالت الجملة اللي غيرت كل حاجة
وقال لي لو حصل لك حاجة، هو هيحافظ على فلوسي.
بصيت لها.
فلوسك؟
هزت راسها.
أيوه... هو قال لي إن ماما سايبة لي فلوس كتير، وإنك مخبيها عنه.
في اللحظة دي، ما حسيتش بالغضب.
حسيت بالخوف.
لأن محمود كان عارف بالضبط قيمة الحساب.
وكان بيتصرف على أساس إن الفلوس دي بقت قريبة منه.
لكن لسه فيه سؤال
إيه اللي هيحصل الساعة عشرة؟
وبالظبط الساعة تسعة وخمسين دقيقة، عبدالسلام خبط على بابي.
كان مبتل من المطر.
وشه شاحب.
وقال
حسن... خد ملك وتعالى عندي دلوقتي.
قلت
ليه؟
بص في عيني وقال
عشان لو فضلت هنا بعد الساعة عشرة، مش ضامن إيه اللي هيحصل.
قلت
إنت عرفت إيه؟
قال
العربية الرمادي رجعت.
وبعدين قرب مني وقال
وفيه تلاتة رايحين على بيتك.
سألته
مين؟
قال
اتنين منهم أنا عرفتهم.
مين؟
بصلي.
محمود ونادين.
قلبي وقف لحظة.
والتالت؟
عبدالسلام قال
راجل أنا شوفته قبل كده عند العيادة.
بصيت على الساعة.
959.
فاكر اللحظة دي كويس جدًا.
لأن بعدها بدقيقة، الكهرباء قطعت في المنطقة كلها.
عبدالسلام قال
خد البنت.
شلت ملك.
وخرجت.
عدينا الشارع وسط المطر.
دخلنا شقته.
وصعدنا الدور التاني.
عبدالسلام كان مجهز كاميرا صغيرة موجهة على بيتي.
وقال
دلوقتي استنى.
بعد أقل من دقيقة...
ظهروا.
ثلاثة أشخاص.
محمود.
نادين.
والراجل الغريب.
دخلوا بيتي.
لكنهم ما كانواش داخلين يسرقوا.
كان معاهم شنطة سوداء.
نادين طلعت منها حاجات وحطتها على الترابيزة.
عبدالسلام كبّر الصورة.
شفت علبة دوا.
مفاتيح.
ورق.
وزجاجة صغيرة.
اتنفضت.
قلت
دي حاجاتي.
عبدالسلام قال
استنى.
محمود فتح درج المكتب.
وطلع منه ملف.
حطه قدامه.
وبدأ يكتب.
بصيت لعبدالسلام
بيكتب إيه؟
قال
استنى لما يقرب.
بعد لحظات، الراجل الغريب قرب من الكاميرا بالغلط.
وعبدالسلام عمل زووم.
وفي اللحظة دي عرفته.
أنا شفته قبل كده.
مش عند العيادة.
ولا عند بيت محمود.
شفته يوم دفن سارة.
كان واقف بعيد.
وبص ناحية ملك.
قلت
ده كان موجود يوم جنازة بنتي.
عبدالسلام سألني
متأكد؟
قلت
أيوه.
وبعدين افتكرت.
سارة قبل موتها بأسبوع كانت قالت لي جملة غريبة
بابا، لو حصل لي حاجة، خلي بالك من ملك... في ناس بتسأل عنها كتير.
وقتها افتكرت إنها خايفة عليها بشكل عادي.
لكن دلوقتي فهمت.
سارة كانت عارفة.
عبدالسلام كان بيبص للشاشة، وفجأة قال
حسن... بص!
محمود فتح ورقة.
كانت عليها إمضتي.
أنا قربت من الشاشة.
قلبي دق بعنف.
الإمضا شبه إمضتي بالظبط.
لكن فيه حاجة واحدة غلط.
نقطة صغيرة.
أنا دايمًا بحطها بعد اسمي.
والإمضا دي مفيهاش النقطة.
قلت
مزورة.
عبدالسلام بصلي.
إنت متأكد؟
قلت
أنا اللي ماضي عشرات العقود في حياتي. دي مش إمضتي.
في نفس اللحظة، محمود رفع موبايله واتصل بحد.
عبدالسلام حاول يرفع الصوت.
سمعناه بيقول
أيوه... كل حاجة جاهزة.
سكت يسمع.
وبعدين قال
الليلة دي لازم تتم.
وبعدها الجملة اللي خلتني أحس إن الأرض اتسحبت من تحت رجلي
بكرة هنقول إن أبويا اختفى، وإن ملك كانت لوحدها معاه قبل ما يختفي.
نادين قالت
والدم؟
محمود رد
موجود.
أنا بصيت لعبدالسلام.
دم إيه؟
عبدالسلام ما ردش.
فضلنا ساكتين.
لحد ما نادين فتحت الشنطة وطلعت كيس صغير.
وفيه قطعة قماش عليها بقعة دم.
حطتها في درج مكتبي.
وبعدين محمود قال
الصبح الشرطة هتلاقيها.
ملك كانت واقفة جنبي.
سمعت الكلام.
مسكت إيدي بقوة.
وقالت
جدو... هما هيقتلوك؟
ما عرفت أرد.
عبدالسلام مسك كتفي وقال
لا.
وبعدين طلع موبايله.
وقال
لأنهم وقعوا في الغلطة اللي كنت مستنيها.
بصيت له.
غلطة إيه؟
قال
إنهم دخلوا بيتك وهما فاكرين إن مفيش حد شايفهم.
رفع الموبايل.
وأنا سجلت كل حاجة.
لكن المفاجأة ما كانتش هنا.
لأن عبدالسلام ما كانش عامل كاميرا واحدة.
كان عامل تلاتة.
واحدة بتصور بيتي.
واحدة بتصور باب العمارة.
والتالتة...
كانت جوه بيتي.
بصيت له بصدمة.
إزاي؟
قال
ركبتها من غير ما تعرف.
وبعدين فتح التسجيل.
ظهر محمود وهو بيتكلم مع الراجل الغريب.
الصوت كان واضح.
الراجل قال
الحساب هيكون تحت سيطرتك بمجرد ما الوصاية تتغير.
محمود قال
وأنا هتصرف فيه زي ما اتفقنا.
نادين تدخلت
والطفلة؟
محمود رد
ملك مشكلتها بسيطة.
وسكت لحظة.
وبعدين قال
المهم أبويا يبان إنه فقد عقله... وبعدها اختفاؤه هيبقى سهل.
أنا كنت سامع الكلام ومش مصدق.
لكن فجأة...
الراجل الغريب قال اسمًا.
اسمًا خلاني أقوم واقف.
قال
زي ما عملنا مع أمها.
سكت المكان كله.
بصيت لعبدالسلام.
قال إيه؟
عبدالسلام أعاد التسجيل.
زي ما عملنا مع أمها.
حسيت إن الدم تجمد في عروقي.
سارة.
الحادثة.
المطر.
الطريق.
كل حاجة رجعت قدامي.
لكن المرة دي...
بدأت أشك في حاجة عمري ما سمحت لنفسي أشك فيها.
يمكن موت بنتي...
ما كانش حادث.
في اللحظة دي، عبدالسلام مد إيده للموبايل وقال
حسن... لازم تسمع باقي التسجيل.
وضغط تشغيل.
وجالي صوت محمود واضح
أبويا لسه فاكر إنه السبب في موت سارة.
ضحك الراجل الغريب وقال
سيبه فاكر كده.
وبعدين محمود قال
ده أسهل لنا.
اتنفست بصعوبة.
عبدالسلام بصلي.
يعني إيه؟
أنا ما جاوبتش.
كنت فاهم.
طول سنة ونص...
كنت شايل ذنب موت بنتي.
وأنا اللي اتعذبت.
وأنا اللي شكيت في نفسي.
وأنا اللي صدقت إن مكالمة مني هي اللي قتلتها.
بينما هما...
كانوا بيستخدموا إحساسي بالذنب كجزء من الخطة.
لكن التسجيل لسه ما خلصش.
محمود قال
المهم... محدش يعرف إن سارة كانت اكتشفت موضوع الحساب قبل الحادث.
شهقت.
ملك بصتلي.
وأنا قلت
موضوع إيه؟
الراجل رد
كانت عارفة إن الحساب اتفتح باسمها قبل موتها.
محمود قال
وعشان كده لازم نمسح كل أثر.
سكت.
ثم سمعت الجملة التي جعلتني أفهم لماذا ماتت سارة.
لو كانت سارة سلمت الأوراق اللي معاها... كنا كلنا هنروح في داهية.
عبدالسلام وقف التسجيل.
بصلي.
وقال
حسن...
لكن أنا ما كنتش سامعه.
كنت ببص على بيتي من الشباك.
وفي نفس اللحظة...
محمود خرج من الباب.
نادين وراه.
والراجل الغريب آخر واحد.
محمود وقف في الشارع، رفع عينه ناحية شباك عبدالسلام...
وكأنه عارف إننا بنبص عليه.
وبعدين ابتسم.
ابتسامة صغيرة.
وركب العربية.
عبدالسلام قال
هو شافنا؟
قلت
مش مهم.
قال
أمال إيه المهم؟
بصيت له وقلت
إن محمود لسه فاكر إني في بيتي.
عبدالسلام سكت.
وأنا لأول مرة من ساعة وفاة سارة...
ابتسمت.
وقلت
خلّيه يفضل فاكر كده.
لأن الليلة دي...
هما كانوا بيجهزوا يدفنوا راجل حي.
لكنهم ما كانوش يعرفوا...
إن الراجل اللي فاكرينه عجوز ومش فاكر حاجة...
كان لأول مرة في حياته...
فاكر كل حاجة.