اول ما خلفت
أول ما خلفت التلات توأم، كنت فاكرة إن جوزي "كريم" هيبقى ضهري زي ما كان دايمًا بيقول.
قبل الحمل، كان كل كلامه: "أنا نفسي البيت يتملي عيال، وإحنا هنشيل المسؤولية سوا بالنص."
لكن أول ما رجعنا من المستشفى... الراجل اللي اتجوزته اختفى.
من أول ليلة، شال هدومه ونام في أوضة الضيوف، وقال بمنتهى البرود: "أنا شغلي في الشركة محتاج دماغ رايقة، ولازم أنام 8 ساعات متواصل."
أما أنا...
لسه طالعة من عملية قيصرية، وجسمي كله بيوجعني، وبحاول أعتني بتلات بيبيهات لوحدي.
حياتي بقت عبارة عن رضاعة... وببرونات... وحفاضات... وعيط متواصل من تلات أطفال في نفس الوقت.
بعد ست أسابيع، بقيت مش فاكرة آخر مرة نمت فيها حتى ساعة كاملة من غير ما حد يصحيني.
وفجأة...
كريم دخل عليّ وهو بيشرب قهوته بكل هدوء وقال:
"أنا حجزت أسبوعين في الساحل الشمالي... محتاج أفصل شوية."
افتكرته بيهزر.
لكن لأ...
كان بيتكلم بجد.
بيقولي إنه "اتضغط نفسيًا" وإنه يستحق ياخد أجازة يرتاح فيها.
بصيت له وأنا مش مستوعبة.
أنا اللي منمتش ولا ليلة من يوم الولادة، وأنا اللي شايلة البيت والتلات أطفال لوحدي...
وهو اللي محتاج راحة؟!
اترجّيته يقعد يساعدني.
حتى كام يوم.
لكنه لف عينه وقال:
"إنتِ هرموناتك هي اللي مخلياكي مكبرة الموضوع."
وبعدها كمل يرص هدومه في الشنطة الكبيرة...
وأنا قاعدة على الأرض، شايلة طفلين، وبرضع التالت.
ساعتها...
ما اتخانقتش.
وما عيطتش.
ولا حتى حاولت أقنعه تاني.
استنيت بس.
بالليل...
بعد ما نام في أوضة الضيوف، دخلت بهدوء، وفتحت شنطته اللي كان مجهزها للسفر.
شلت منها كام حاجة...
وحطيت مكانهم حاجات عمره ما كان يتخيل يشوفها أول ما يفتح الشنطة.
الصبح، باسني من خدي وهو خارج، وسحب الشنطة وركب العربية اللي هتوديه للمطار... من غير حتى ما يبص جوّاها.
وأنا قضيت اليوم كله بين عياط العيال، وقهوة ساقعة، وإرهاق خلاني واقفة بالعافية.
الساعة أربعة العصر بالظبط...
الموبايل رن.
كان كريم.
أول ما رديت...
لقيته بيزعق بأعلى صوته:
"إنتِ بجد عملتي فيا كده؟!"
الصوت في التليفون كان بيترعش من قمة الغيظ والصدمة، لدرجة إن كريم مكنش عارف يرتب جمله.
أما أنا، فكنت قاعدة على الأرض وسط لعب الأطفال وريحة الببرونات، ماسكة التليفون ببرود تام، وبصوت هادئ ومستفز قلتله بهمس:
— "إيه يا حبيبي؟ وصلت الساحل بالسلامة؟ ولا الشنطة كان فيها مفاجأة نكدت عليك السفرية؟"
— "مفاجأة إيه يا مجنونة إنتِ؟!".. صرخ بيها لدرجة إني بعّدت التليفون عن ودني، وكمل بصوت مسطول من الصدمة: "أنا فتحت الشنطة قدام أصحابي في القرية السياحية عشان أطلع المايوه والشورتات.. لقيت قدامي **تلات ببرونات مليانين لبن صناعي مستعمل، وعلبة حفاضات مقفولة، ورضّاعات، وتلات غيارات كاملة للعيال بكل ببروناتها مبلولة، وفوق كل ده.. ورقة مكتوب عليها 'بالهنا والشفا، عيش دور البيبي شوية هناك!'**.. أصحابي ماتوا عليّ ضحك، وشكلي بقى الأرض!"
ضحكت بتهكم، صوت ضحكتي كان طالع من قلب تعب ست أسابيع متواصلة من القهر، ورديت عليه بكل برود:
— "عجبوك؟ مبروك عليك.. ما أنت رايح تفصل وتحس بإحساس الأطفال والمسؤولية هناك، قلت أساعدك تعيش الجو صح بدل ما أنت رايح تفصل لوحدك.. البيبي الكبير محتاج يهتم بنفسه برضه!"
— "إنتِ اتجننتي رسمي! إزاي تعملي فيا كده قدام الناس؟! أنا راجع حالا.. اتصرفي في عيالك وجيبي حد يقعد معاكي، أنا مش هقعد دقيقة واحدة هنا ومنظري بقى بالطريقة دي!".. قفل السكة في وشي بغضب وعصبية مجنونة.
طت التليفون جنبى، وابتسمت لنفسي لأول مرة من يوم الولادة. حسيت إن روحي رجعتلي.. مفيش عياط، مفيش ترجّي، مفيش ضعف. الباب اتفتح بعد تلات ساعات، ودخل كريم وهو بيلهث، ووشه أصفر من كتر الغضب، شنطته في إيده، ومبهدل.
بصلي وبص للعيال اللي كانوا نايمين أخيرًا في السرير، ووقف قدامي وهو بيشير بصباعه وبيهدد:
— "إنتِ تخطيتِ كل الحدود! طريقتك دي معوجة، والضحك اللي ضحكوه عليا ده مش هعديه بالساهل، و..."
قاطعته وأنا بقوم واقفة بطولى، وبصيت في عينه نظرة واحدة خلت صباعه ينزل بالبطيء، وبصوت حاسم وصارم قلته:
— "خلصت نوبة الغضب؟ طب اسمع بقى.. الكلمتين اللي هقولهم لك دول يتسمعوا ويتفهموا كويس عشان مفيش غيرهم: الأسبوعين بتوع الساحل دول، إنت هتقضيهم هنا.. في البيت.. معايا ومع ولادك."
— "أنا؟! أنا لسه جاي من هناك مهدود ومفشوخ في السفر!"
— "وأنا بقالي 6 أسابيع مش نايمة ولا ساعة، وجسمي لسه مفتوح.. اللعبة اللي لعبتها دي خلصت، يا إما هنشيل الليلة دي سوا بالنص زي ما كنت بتقول قبل الخلفة، يا إما شنطتك اللي رجعت دي هتطلع بره البيت نهائي، وأنا ساعتها هعرف أجيب حقي وحق عيالي بالقانون كويس أوي، وأه.. ورقتك هتوصلك وأنت قاعد مكانك."
بصلي وشاف في عيني نظرة ست جابت آخِرها، ست مبقاش عندها حاجة تخاف عليها أو تخسرها أكتر ما خسرت منراحتها وصحتها. السكوت ساد الأوضة دقايق طويلة.. لحد ما سمعنا صوت عياط طفل من التلاتة بدأ يصحى.
كريم بلع ريقه، وبص للطفل، وبصلي، ولأول مرة من ست أسابيع.. اتحرك من مكانه، قلع جاكيت القميص بتاعه ورماه على الكرسي، وراح ناحية السرير وشال الطفل وهو بيقول بصوت مكسور وواقعي:
— "خلاص.. خلاص بطلي التهديد ده.. هاتيه.. أنا هغيرله الببرونة."
قعدت على الكرسي وأنا بتنفس بعمق، وبصيت له وهو بيحاول يشيل ابنه بإيد مرتعشة.. حسيت ساعتها إن الدرس وصل، وإن "الأبوة الحقيقية" مبتبدأش بالكلام.. دي بتتبني بالعرق والسهر، ولما الأيام بتعصرنا.. مفيش أقوى من الست لما تقف وتفرض احترامها بنفسها.