ابني وقف
ابني وقف قدام القاضي وقال أنا عايز أعيش مع أبويا... أصل أمي ما تقدرش تضمنلي مستقبل!
الجملة دي كانت كفيلة تكسرني وأنا قاعدة في محكمة الأسرة في القاهرة.
كنت قاعدة وإيدي بتترعش فوق الترابيزة، قصاد جوزي السابق كريم... الراجل اللي اديته خمسة عشر سنة من عمري. ضحيت بشغلي، وبشبابي، وحتى بصوتي، عشان بيتنا يفضل واقف.
دخل المحكمة لابس بدلة شيك، وساعة تمنها يجيب شقة، وماشي بثقة واحد عارف إنه كسبان قبل ما الجلسة تبدأ.
وجنبه كان آدم... ابني، عنده 12 سنة. لابس جاكيت شيك، وشكله أكبر من سنه بكتير، وباصص قدامه ببرود خلاني أحس إني معرفوش.
محامية كريم فضلت تتكلم عني كأني حمل تقيل.
قالت إني معنديش شغل، وإني معتمدة عليه مادياً، وإني مش هعرف أدخل آدم مدارس لغات ولا أوفرله مستوى معيشة يليق بيه.
ولا كلمة اتقالت عن إني سبت شغلي بناءً على كلام كريم لما قالي زمان
إنتِ خليكي في البيت وربي الولد... وأنا هشيل كل حاجة.
ولا حد جاب سيرة الليالي اللي كنت بسهرها جنبه وهو تعبان، ولا أعياد الميلاد اللي كنت بحضرها لوحدي، ولا الأكل اللي كان بيبرد كل يوم وأنا مستنياه يرجع.
القاضي بص لآدم وقال بهدوء
تحب تعيش مع مين؟
قلبي وقف.
كنت مستنية يبصلي... يتردد... حتى يدمع.
لكن ابني وقف وقال من غير ما يرمش
أنا هعيش مع بابا... ماما مش هتعرف تعمللي مستقبل.
في اللحظة دي حسيت إن قلبي اتكسر من غير حتى ما يطلع صوت.
بصيت لكريم... لقيته مخبي ابتسامة صغيرة، بس كانت كفاية أفهم إن كل ده مترتب له من بدري.
هو مكسبش ابني بالمحبة...
كسبه بالفلوس، والمحامين، والضغط.
بعد ما خرجنا من المحكمة، لحقني في الباركينج.
طلع كارت بنكي ومدهولي.
وقال بمنتهى البرود
خدي... فيه اتنين مليون جنيه. استأجري شقة، وابدئي حياتك من جديد... وبلاش تدخلي في حياتي ولا حياة ابني.
بصيت للكارت... وممدتش إيدي.
قلتله وأنا بالعافية ماسكة دموعي
أنا عملتلك إيه لكل ده؟
ضحك وقال
ببساطة... إنتِ مبقتيش مناسبة للمستوى اللي أنا وصلتله. أنا محتاج واحدة تمشي معايا في المجتمع... مش واحدة حياتها كلها بقت بين المطبخ وغسيل هدوم المدارس.
كان آدم واقف بعيد بشنطته.
ولا حتى بص ناحيتي.
مشي ورا أبوه... كأني ست غريبة عنه.
في نفس الليلة خرجت من الفيلا اللي كنا عايشين فيها في التجمع الخامس، ومعايا شنطة قديمة وكام كيس هدوم.
أجرت أوضة صغيرة في عين شمس، الحيطة فيها رطوبة، والشباك بيطل على منور ضيق.
وقعدت أعيط لحد ما دموعي خلصت.
بعد أسبوع، كريم كلمني.
قال
بكرة أنا وآدم مسافرين أمريكا. لو عايزة تودعيه، تعالي مطار القاهرة بدري.
كنت ناوية مروحش.
بس الأم... مهما اتكسرت... عمرها ما بتفوت لحظة وداع ابنها.
رحت.
في المطار، كريم واقف بيضحك مع شوية رجال أعمال، كأنه رايح يحتفل بانتصار.
أما آدم... فكان ساكت، شايل الشنطة على ضهره، ووشه كله هم.
ولما جه معاد الدخول لصالة السفر...
قرب مني فجأة.
حضني حضن طويل وقوي.
وفي وسط الحضن... حسيت إنه حط حاجة في جيب الشنطة بتاعتي.
وهمس في ودني
ماتعيطيش يا ماما... واستنيني.
وبعدين بعد بسرعة... ومشي ورا أبوه.
ركبت تاكسي وأنا مش فاهمة حاجة.
طلعت اللي سابهولي...
لقيته كارت أسود.
من غير اسم.
من غير شعار بنك.
في نفس اللحظة... موبايلي رن برسالة من رقم غريب.
يا ماما... في الحساب ده ستين مليون جنيه. الرقم السري هو تاريخ ميلادك. أوعي تثقي في أي حد... واستنيني لحد ما أرجع.
قريت الرسالة مرة...
واتنين...
وعشرة.
وإيديا كانت بتترعش.
وساعتها بس فهمت الحقيقة اللي جمدت الدم في عروقي...
ابني ما خانّيش أبدًا...
هو كان داخل في لعبة أخطر بكتير مما كنت
بعد ما قريت الرسالة، حسيت إن الدنيا كلها بقت بتلف بيا.
ستين مليون جنيه؟
وآدم؟
ابني اللي عنده اتناشر سنة؟
إزاي يعرف يعمل حاجة زي دي؟
فضلت أبص للكارت الأسود، وأقلبه بين إيديا، مفيش أي علامة، ولا اسم بنك، ولا حتى رقم خدمة عملاء.
وفجأة... الموبايل رن تاني.
رسالة جديدة.
لو بتحبّي حياتك، متفتحيش الحساب دلوقتي. وخلي الكارت معاكي. وهجيلك لما الوقت يبقى مناسب.
الرسالة اختفت بعدها بثواني.
وقفت في نص الشارع مش فاهمة.
أنا بحلم؟
ولا في حد بيلعب بيا؟
رجعت أوضتي الصغيرة في عين شمس، وقعدت طول الليل بفكر.
وفي الآخر خبيت الكارت جوه هدومي القديمة، وماقولتش لحد.
مر شهر.
وبعدين اتنين.
ولا رسالة.
ولا مكالمة.
كل اللي كنت بشوفه هو صور كريم على السوشيال ميديا.
صور في نيويورك.
صور قدام شركات كبيرة.
وصور مع رجال أعمال.
وآدم واقف جنبه... لكن كل مرة