كل سنه

لمحة نيوز

كل سنة، ابني بيزرع ورد عباد الشمس في ذكرى أخته التوأم اللي اختفت وهي عندها ست سنين... لكن في الذكرى السادسة، لما نزلنا الجنينة لقينا كل الزرع متقطع، وما فضلش واقف غير وردة واحدة بس.
ومن آخر وردة كانت واقفة... كان متعلق صندوق أبيض صغير.
ابني اسمه كريم، وكان عنده أخت توأم اسمها ملك.
من أول يوم جم الدنيا وهما روح واحدة.
لما كريم كان يضحك، ملك كانت تضحك معاه.
ولما ملك كانت تعيط، كريم كان يعيط قبلها.
في يوم من أيام الصيف، خرجوا يرموا أكل للبط عند الترعة اللي ورا بيت جدي في البلد.
لكن اللي رجع... كان كريم لوحده.
دورنا عليها لحد الفجر.
أهلي، والجيران، وأهل البلد كلها نزلوا يدوروا.
لكن ملك... ما ظهرتش تاني.
الشرطة قالت إنها حادثة غرق مأساوية.
أما كريم...
فضل طول الوقت شايل نفسه الذنب.
كل ليلة كان يصحى مفزوع وهو بيصرخ:
"ماكنش ينفع أسيب إيدها... كان لازم أفضل ماسكها."
وديناه لدكاترة نفسيين، واتكلمنا معاه كتير، وحاولنا نقنعه إن اللي حصل مش ذنبه...
بس عمره ما صدق.
وفي أول عيد ميلاد بعد اختفائها، يوم ما كان المفروض يتموا سبع سنين...
طلب مني كيس بذور عباد شمس.
وقال بصوت واطي:
"دي كانت أكتر ورد بتحبه."
"لازم نفتكرها."
ومن يومها بقى ده طقس بينا.
كل ربيع، أنا وكريم ننزل الجنينة من الصبح، نقلب التراب بإيدينا ونزرع عباد الشمس سوا.
ولما يطلع الورد في الصيف...
كان يقعد وسطه بالساعات ويحكي لملك كل حاجة حصلت.
لما دخل فريق الكورة في المدرسة...
حكالها.
ولما أول سن وقعله...
حكالها برضه.
كان بيعتبر إن أخته لسه سامعاه.
السبت اللي فات...
عدى ست سنين على اختفاء ملك.
كريم صحي قبل الفجر.
قال إنه عايز يعمل عصير لمون ونقعد في الجنينة قبل الحر.
لكن أول ما فتحنا باب البيت وخرجنا...
وقف مكانه.
وشه بقى أصفر.
كل عباد الشمس...
كان متقطع.
ولا وردة واحدة سليمة.
إلا واحدة بس.
كانت أطول وردة زرعناها طول السنين اللي فاتت.
واقفة لوحدها في نص الجنينة...
ومتعلق في ساقها بشريطة بيضا...
صندوق أبيض صغير.
ماكانش فيه أي جواب.
ولا كلمة.
الصندوق بس... بيتحرك مع الهوا.
كريم بصلي، وصوته كان بيرتعش.
"يا ماما... مين يعمل كده؟"
إيدي كانت بتترعش وأنا بفك الشريطة.
فتحت الصندوق...
وأول ما بصيت على اللي جواه...
حسيت رجلي مش شايلاني.
في اللحظة دي...
بعد ست سنين كاملة...
اكتشفت إن كل اللي كنا مصدقينه عن اختفاء ملك...
كان كذبة مرعبة.
والحقيقة كانت أخطر بكتير...
كان جوا الصندوق...
إسوارة أطفال صغيرة من الفضة.
الإسوارة اللي كان اسم "ملك" محفور عليها من جوه.
الإسوارة دي أنا بنفسي لبستهالها يوم عيد ميلادها الخامس، ولما اختفت قالت الشرطة إنها غالبًا ضاعت في الترعة.
لكن كانت قدامي...
نضيفة.
كأن حد محتفظ بيها طول السنين دي.
وتحتها مفتاح نحاس صغير، وعليه ورقة مكتوب فيها بخط إيد مهزوز:
"لو عايزين تعرفوا الحقيقة... روحوا للمخزن القديم اللي جنب ساقية جَدّكم... قبل غروب الشمس."
قلبي كان بيدق بعنف.
أول فكرة جت في دماغي إن ده مقلب سخيف.
لكن مين يعرف موضوع الإسوارة؟
ومين يعرف إن عباد الشمس كان سر بيني وبين كريم؟
كريم كان ماسك إيدي بقوة.
قال:
"هنروح... صح؟"
وصلنا البلد قبل العصر.
المخزن كان مقفول من سنين.
بابه كله صدى وتراب.
فتحناه بالمفتاح...
ولأول مرة من سنين الباب اشتغل.
كأن المفتاح معمول ليه.
أول ما دخلنا لقينا ريحة تراب وخشب قديم.
وفي آخر المخزن...
صندوق حديد كبير.
جواه شريط كاسيت قديم، وفلاشة، وملف أصفر.
رجعنا البيت وشغلنا الفلاشة.
ظهر فيديو مسجل من ست سنين.
اللي بيتكلم...
كان واحد من رجال البحث اللي شاركوا وقت اختفاء ملك.
كان بيقول وهو بيبكي:
"لو حد لقى الفيديو ده... يبقى أنا يمكن أكون مت."
اتجمد الدم في عروقي.
كمل كلامه:
"ملك ما غرقتش."
بصيت لكريم...
كان بيترعش.
الرجل قال:
"اليوم ده شفت عربية سودا واقفة بعيد عن الترعة."
"شفت راجل بياخد البنت بسرعة."
"بلغت المسؤول وقتها."
"لكن اتقالي أسكت."
فتحنا الملف الأصفر.
كان فيه صور للعربية.
وأرقام لوحة.
وأسماء.
وأوراق تثبت إن واحد من كبار رجال الأعمال وقتها كان بيدفع فلوس عشان القضية تتقفل على إنها غرق.
ليه؟
لأن ابنه كان سايق العربية.
وكان السبب الحقيقي في اختفاء ملك.
لكن المفاجأة الأكبر...
كانت آخر ورقة.
تقرير طبي.
مكتوب فيه:
"الطفلة كانت حية عند نقلها."
يعني...
ملك ما ماتتش عند الترعة.
كريم وقع على الأرض وهو بيعيط.
كان بيكرر:
"يعني كانت عايشة... وأنا سبتها..."
حضنته.
وقلتله لأول مرة بثقة:
"إنت ما قتلتهاش يا كريم."
بلغنا النيابة.
وبدأت القضية تتفتح من جديد.
الصحافة كلها اتكلمت عنها.
وبعد أسابيع...
اتقبض على ناس كانوا فاكرين إن الزمن نسي.
لكن السؤال اللي كان بيقتلنا...
فين ملك؟
عدت شهور من التحقيق.
لحد ما جه اتصال من الشرطة.
لقوا سيدة كبيرة في دار رعاية.
قبل وفاتها بدقائق...
طلبت تقابل النيابة.
واعترفت بكل حاجة.
قالت إنها كانت بتشتغل خدامة عند الراجل صاحب العربية.
وقالت إنهم أخدوا البنت وهي مصابة.
ولما خافوا من الفضيحة...
سلموها لعيلة في محافظة تانية، وغيروا اسمها، وقالوا إنها بنت ملقوطة.
فضلت عايشة...
بعيدة عن أهلها.
سنين طويلة.
وبعد رحلة بحث استمرت أسابيع...
وقفنا قدام بيت صغير.
فتح الباب...
ست شابة في اتنين وعشرين سنة.
أول ما شافت الإسوارة...
إيديها بدأت ترتعش.
وبدون ما حد يقول كلمة...
خرجت من رقبتها سلسلة.
متعلق فيها نص قلب فضة.
النص التاني...
كان مع كريم.
قطعة قلب كانت متقسمة بينهم وهما أطفال.
أول ما قرب كريم منها...
ركبت القطعتين في بعض.
وساعتها...
بكت.
وقالت أول كلمة:
"كريم؟"
كريم جري عليها.
حضنها وهو بيصرخ من العياط.
ولا واحد فينا كان قادر يمسك دموعه.
عرفنا بعدين إنها كانت فاقدة أغلب ذكرياتها وهي صغيرة، وإن العيلة اللي ربتها ما كانتش تعرف حقيقتها، واتضح إنهم هم كمان اتخدعوا.
رجعت ملك لبيتها.
ورجع الضحك اللي غاب سنين.
لكن في أول ربيع بعد رجوعها...
خرجت مع كريم للجنينة.
وقفوا وسط عباد الشمس.
ملك ابتسمت وقالت:
"أنا كنت فاكرة إن محدش هيفتكرني."
ابتسم كريم وهو بيبصلها وقال:
"أنا عمري ما بطلت أكلمك... كل سنة كنت مستنيكي ترجعي."
ومن يومها...
بقينا نزرع صفين من عباد الشمس بدل صف واحد.
صف لسنين الوجع اللي عدت...
وصف للحياة الجديدة اللي بدأت.
وأدركت وقتها إن الحقيقة ممكن تتأخر سنين...
لكن عمرها ما بتختفي للأبد، وإن الأمل أحيانًا يفضل واقف وسط الخراب... زي آخر وردة عباد شمس رفضت تقع.
تمت.

تم نسخ الرابط